ابن رشد
97
تهافت التهافت
العدم . وكل من لا يضع مادة فلا ينفك عن هذا الشك ؛ أعني أنه يلزمه أن يتعلق فعل الفاعل بالعدم أولا وبالذات وهذا كله بيّن ، فلا معنى للإكثار فيه ، ولهذا قالت الحكماء : إن المبادي للأمور الكائنة الفاسدة اثنان بالذات وهما المادة والصورة وواحد بالعرض وهو العدم لأنه شرط في حدوث الحادث ؛ أعني أن يتقدمه . فإذا وجد الحادث ارتفع العدم ، وإذا فسد وقع العدم . قال أبو حامد : الوجه الثاني : من الاعتراض أن من الأعراض ما ينعدم عندهم لا بضده فإن الحركة لا ضد لها وإنما التقابل بينها وبين السكون عندهم تقابل الملكة والعدم أي تقابل الوجود والعدم لا تقابل وجود لوجود ومعنى السكون عدم الحركة فإذا عدمت الحركة لم يطر سكون هو ضده بل هو عدم محض وكذلك الصفات التي هي من قبيل الاستكمال كانطباع أشباح المحسوسات في الرطوبة الجليدية من العين بل انطباع صور المعقولات في النفس فإنها ترجع إلى استفتاح وجود من غير زوال ضده وإذا عدم كان معناها زوال الوجود من غير استعقاب ضده فزوالها عبارة عن عدم محض قد طرأ فعقل وقوع العدم الطاري وما عقل وقوعه بنفسه وإن لم يكن شيئا عقل أن ينسب إلى قدرة القادر . فتبين بهذا أنه مهما تصوّر وقوع حادث بإرادة قديمة لم يفترق الحال بين أن يكون الواقع الحادث عدما أو وجودا . قلت : بل يفترق أشد الافتراق إذا وضع العدم صادرا عن الفاعل كصدور الوجود عنه ، وأما إذا وضع الوجود أولا والعدم ثانيا ، أي وضع حادثا عن الفاعل بتوسط ضرب من الوجود عنه وهو تصييره الوجود الذي بالفعل إلى القوة بإبطال الفعل الذي هو الملكة في المحل فهو صحيح ، ولا يمتنع عند الفلاسفة من هذه الجهة أن يعدم العالم بأن ينتقل إلى صورة أخرى لأن العدم يكون هاهنا تابعا وبالعرض ، وإنما الذي يمتنع عندهم أن ينعدم الشيء إلى لا موجود أصلا ، لأنه لو كان ذلك كذلك لكان الفاعل يتعلق فعله بالعدم أولا وبالذات . فهذا القول كله أخذ فيه بالعرض على أنه بالذات فألزم الفلاسفة منه ما قالوا بامتناعه ، وأكثر الأقاويل التي ضمن هذا الكتاب هي من هذا القبيل ، ولذلك كان أحق الأسماء بهذا الكتاب كتاب التهافت المطلق أو تهافت أبي حامد لا تهافت الفلاسفة وكان أحق الأسماء بهذا الكتاب : كتاب التفرقة بين الحق والتهافت من الأقاويل .