ابن رشد

95

تهافت التهافت

وأما ما حكاه عن ابن سينا من الفرق في ذلك بين الحدوث والفساد في النفس لا معنى له . قال أبو حامد مجيبا للفلاسفة : والجواب : إن ما ذكرتموه من الأقسام وإن أمكن أن نذب عن كل واحد ونبين أن إبطاله على أصلكم لا يستقيم لاشتمال أصولكم على ما هو من جنسه ولكنّا لا نطول به ونقتصر على قسم واحد ونقول بم تنكرون على من يقول : الإيجاد والإعدام بإرادة اللّه تعالى فإذا أراد اللّه أوجد وإذا أراد أعدم وهو معنى كونه تعالى قادرا على الكمال وهو في جملة ذلك لا يتغير في نفسه وإنما يتغير الفعل . وأما قولكم : إن الفاعل لا بد وأن يصدر منه فعل فما الصادر منه قلنا الصادر منه ما تجدد وهو العدم إذ لم يكن عدم ثم تجدد العدم فهو الصادر عنه فإن قلتم أنه ليس بشيء فكيف صدر عنه . قلنا : وهو ليس بشيء فكيف وقع وليس معنى صدوره منه إلا أن ما وقع مضاف إلى قدرته فإذا عقل وقوعه لم لا تعقل إضافته إلى القدرة قلت : هذا كله قول سفسطائي خبيث ، فإن الفلاسفة لا ينكرون وقوع عدم الشيء عند إفساد المفسد له ، لكن لا بأن المفسد له تعلق فعله بعدمه بما هو عدم ، وإنما تعلق فعله بنقله من الوجود الذي بالفعل إلى الوجود الذي بالقوة فتبعه وقوع العدم وحدوثه فعلى هذه الجهة ينسب العدم إلى الفاعل ، وليس يلزم من وقوع العدم أثر فعل الفاعل في الموجود أن يكون الفاعل فاعلا له أولا وبالذات . فهو لما سلم له في هذا القول أنه يقع العدم ولا بد أثر فعل المفسد في الفاسد ألزم أن يقع العدم بالذات وأولا من فعله ، وذلك لا يمكن ، فإن الفاعل لا يتعلق فعله بالعدم بما هو عدم ؛ أعني أولا وبالذات وكذلك لو كانت الموجودات المحسوسة بسيطة لما تكونت ولا فسدت إلا لو تعلق فعل الفاعل أولا وبالذات بالعدم ، وإنما يتعلق فعل الفاعل بالعدم بالعرض ، وثانيا ، وذلك بنقله المفعول من الوجود الذي بالفعل إلى وجود آخر فيلحق عن هذا الفعل العدم مثل تغير النار إلى الهواء فإنه يلحق ذلك عدم النار وهكذا هو الأمر عند الفلاسفة في الوجود والعدم . قال أبو حامد : وما الفرق بينكم وبين من ينكر طريان العدم أصلا على الإعراض والصور ويقول : العدم ليس بشيء فكيف يطرأ ؟ وكيف يوصف بالطريان والتجدد ؟ ولا شك في أن العدم يتصور طريانه على الإعراض فالموصوف بالطريان معقول وقوعه سمي شيئا أو لم يسم فإضافة ذلك الواقع المعقول إلى قدرة القادر أيضا معقول .