ابن رشد
83
تهافت التهافت
قلت : أما مقابلة الإشكالات بالإشكالات فليس تقتضي هدما ، وإنما تقتضي حيرة وشكوكا عند من عارض إشكالا بإشكال ، ولم يبن عنده أحد الإشكالين وبطلان الإشكال الذي يقابله وأكثر الأقاويل التي عاندهم بها هذا الرجل هي شكوك تعرض عند ضرب أقاويلهم بعضها ببعض وتشبيه المختلفات منها بعضها ببعض ، وتلك معاندة غير تامة . والمعاندة التامة إنما هي التي تقتضي إبطال مذهبهم بحسب الأمر في نفسه لا بحسب قول القائل به ، مثل إنزاله أنه يمكن لخصومهم أن يدعوا إن الإمكان حكم ذهني ، مثل دعواهم ذلك في الكلي فإنه لو سلم صحة الشبه بينهما لم يلزم عن ذلك إبطال كون الإمكان قضية مستندة إلى الوجود وإنما كان يلزم عنه أحد الأمرين ، أما إبطال كون الكلي في الذهن فقط ، وأما كون الإمكان في الذهن فقط . وقد كان واجبا عليه أن يبتدئ بتقرير الحق قبل أن يبتدئ بما يوجب حيرة الناظرين وتشككهم ، لئلا يموت الناظر قبل أن يقف على ذلك الكتاب ، أو يموت هو قبل وضعه وهذا الكتاب لم يصل إلينا بعد ، ولعله لم يؤلفه وقوله : إنه ليس يقصد في هذا الكتاب نصرة مذهب مخصوص ، إنما قاله لئلا يظن به أنه يقصد نصرة مذهب الأشعرية . والظاهر من الكتب المنسوبة إليه أنه راجع في العلوم الإلهية إلى مذهب الفلاسفة ومن أبينها في ذلك وأصحها ثبوتا له كتابه المسمى بمشكاة الأنوار .