ابن رشد
84
تهافت التهافت
المسألة الثانية في إبطال قولهم في أبدية العالم والزمان والحركة قال أبو حامد : لتعلم أن هذه المسألة فرع الأولى ، فإن العالم عندهم كما أنه أزلي لا بداية لوجوده فهو أبدي لا نهاية لآخرة ، ولا يتصور فناؤه وفساده بل لم يزل كذلك ولا يزال أيضا كذلك . وأدلتهم الأربعة التي ذكرناها في الأزلية جارية في الأبدية والاعتراض كالاعتراض من غير فرق . فإنهم يقولون : إن العالم معلول وعلته أزلية أبدية فكذلك المعلول مع العلة وتقول : إذا لم تتغير العلة لم يتغير المعلول وعليه بنوا منع الحدوث وهو بعينه جار في الانقطاع وهذا مسلكهم الأول . ومسلكهم الثاني : إن العالم إذا عدم فيكون عدمه بعد وجوده فيكون له بعد ففيه إثبات الزمان . ومسلكهم الثالث : إن إمكان الوجود لا ينقطع ، فكذلك الوجود الممكن يجوز أن يكون على وفق الإمكان . إلا أن هذا الدليل لا يقوى ، فأنا نحيل أن يكون أزليا ولا نحيل أن يكون أبديا لو أبقاه اللّه تعالى أبدا إذ ليس من ضرورة الحادث أن يكون له آخر ومن ضرورة الفعل أن يكون حادثا وأن يكون له أول . ولم يوجب أن يكون للعالم لا محالة آخر إلا أبو الهذيل العلاف فإنه قال كما يستحيل في الماضي دورات لا نهاية لها فكذلك في المستقبل . وهو فاسد لأن كل المستقبل قط لا يدخل في الوجود لا متلاحقا ولا متساوقا والماضي قد دخل كله في الوجود متلاحقا وإن لم يكن متساوقا . وإذا تبين أنا لا نبعد بقاء العالم أبدا من حيث العقل بل نجوز إبقاءه وإفناءه فإنما يعرف الواقع من قسمي الممكن بالشرع فلا يتعلق النظر فيه بالمعقول . قلت : أما قوله إنما يلزم عن دليلهم الأول من أزلية العالم فيما مضى يلزم عنه فيما يستقبل فصحيح . وكذلك دليلهم الثاني . وأما قوله إنه ليس يلزم في الدليل الثالث في المستقبل مثل ما يلزم في الماضي على رأيهم فأنا نحيل أن