ابن رشد

82

تهافت التهافت

البدن المنفعل مع أنه لا ينطبع فيه ولا فرق بين النسبة إلى الفاعل والنسبة إلى المنفعل إذ لم يكن انطباع في الموضعين . قلت : يريد أنه يلزمهم إن وضعوا الإمكان بحدوث النفس غير منطبع في المادة أن يكون الإمكان الذي في القابل كالإمكان الذي في الفاعل ، لأن يصدر عنه الفعل فيستوي الإمكانان وذلك شيء شنيع . وذلك أن على هذا الوضع تأتي النفس كأنها تدير البدن من خارج كما يدير الصانع المصنوع ، فلا تكون النفس هيئة في البدن كما لا يكون الصانع هيئة في المصنوع . والجواب : أنه لا يمتنع أن يوجد من الكمالات التي تجري مجرى الهيئات ما يفارق محله مثل الملاح في السفينة والصانع مع الآلة التي يفعل بها ، فإن كان البدن كالآلة للنفس ، فهي هيئة مفارقة . وليس الإمكان الذي في الآلة كالإمكان الذي في الفاعل ، بل توجد الآلة في الحالتين جميعا أعني الإمكان الذي في المنفعل والإمكان الذي في الفاعل ، ولذلك كانت الآلات محركة ومتحركة ، فمن جهة أنها محركة يوجد فيها الإمكان الذي في الفاعل ، ومن جهة أنها متحركة يوجد فيها الإمكان الذي في القابل ، فليس يلزمهم من وضع النفس مفارقة أن يوضع الإمكان الذي في القابل هو بعينه الإمكان الذي في الفاعل . وأيضا الإمكان الذي في الفاعل عند الفلاسفة ليس حكما عقليا فقط ، بل حكم على شيء خارج النفس ، فلا منفعة للمعاندة بتشبيه أحد الإمكانين بالآخر . ولما شعر أبو حامد أن هذه الأقاويل كلها إنما تفيد شكوكا وحيرة عند من لا يقدر على حلها وهو من فعل الشرار السفسطائيين . قال : فإن قيل : فقد عوّلتم في جميع الاعتراضات على مقابلة الإشكالات بالإشكالات ولم يخل ما أوردتموه من الأشكال . قلنا : المعارضة تبين فساد الكلام لا محالة وينحل وجه الإشكال في تقدير المعارضة والمطالبة ، ونحن لم نلتزم في هذا الكتاب إلا تكدير مذهبهم والتغيير في وجوه أدلتهم بما نبين تهافتهم ، ولم نتطرق للذب عن مذهب معين فلذلك لا نخرج عن مقصود الكتاب ولا نستقصي القول في الأدلة الدالة على الحدث . إذ غرضنا إبطال دعواهم معرفة القدم . وأما إثبات المذهب الحق فسنضع فيه كتابا بعد الفراغ من هذا إن شاء اللّه ونسميه قواعد العقائد ونعتني فيه بالإثبات كلما اعتنينا في هذا الكتاب بالهدم .