ابن رشد
81
تهافت التهافت
ليس للكليات خارج النفس وجود أصلا فأنتج أن الإمكان ليس له وجود خارج النفس فما أقبح هذه المغالطة وأخبثها . قال أبو حامد : وأما قولهم لو قدر عدم العقلاء أو غفلتهم ما كان الإمكان ينعدم . فنقول : ولو قدر عدمهم هل كانت القضايا الكلية وهي الأجناس والأنواع تنعدم ، فإذا قالوا نعم إذ لا معنى لها إلى قضية في العقول فكذلك قولنا في الإمكان ولا فرق بين البابين . وإن زعموا أنها تكون باقية في علم اللّه تعالى فكذا القول في الإمكان فالإلزام واقع والمقصود إظهار تناقض كلامهم . قلت : الذي يظهر من هذا القول سخافته ، وتناقضه ، وذلك إن أقنع ما أمكن فيه ابتناء على مقدمتين . إحداهما : أنه بين أن الإمكان منه جزئي خارج النفس وكلي وهو معقول تلك الجزئيات فهو قول غير صحيح . وإن قالوا : إن طبيعة الجزئيات خارج النفس من الممكنات هي طبيعة الكلي الذي في الذهن فليس له لا طبيعة الجزئي ولا الكلي ، أو تكون طبيعة الجزئي هي طبيعة الكلي وهذا كله سخافات . وكيف ما كان ، فإن الكلي له وجود ما خارج النفس . قال أبو حامد : وأما العذر عن الامتناع فإنه يضاف إلى المادة الموصوفة بالشيء إذ يمتنع عليه ضده ، فليس كل محال كذلك ، فإن وجود شريك للّه تعالى محال وليس ثم مادة يضاف إليها الامتناع . فإن زعموا أن معنى استحالة الشريك انفراد اللّه تعالى بذاته وتوحده واجب والانفراد مضاف إليه . فنقول : ليس بواجب فإن العالم موجود معه فليس منفردا . فإن زعموا أن انفراده عن النظير واجب ونقيض الواجب ممتنع وهو إضافة إليه قلنا معنى انفراد اللّه تعالى عنها ليس كانفراده . عن النظير ، فإن انفراده عن النظير واجب وانفراده عن المخلوقات الممكنة غير واجب . قلت : هذا كله كلام ساقط فإنه لا يشك أن قضايا العقل إنما هي حكم له على طبائع الأشياء خارج النفس . فلو لم يكن خارج النفس لا ممكن ولا ممتنع لكان قضاء العقل بذلك كلا قضاء ، ولم يكن فرق بين العقل والوهم . ووجود النظير للّه سبحانه ممتنع الوجود في الوجود ، كما أنه وجوده واجب الوجود في الوجود فلا معنى لتكثير الكلام في هذه المسألة . قال أبو حامد : ثم العذر باطل بالنفوس الحادثة . فإن لها ذواتا مفردة وإمكانا سابقا على الحدوث ، وليس ثم ما يضاف إليه وقولهم : إن المادة ممكن لها أن تدبرها النفوس فهذه إضافة بعيدة فإن اكتفيتم بهذا فلا يبعد أن يقال معنى إمكان الحادث أن القادر عليها يمكن في حقه أن يحدثها فيكون إضافة إلى الفاعل مع أنه ليس منطبعا فيه ، كما أنه إضافة إلى