ابن رشد
80
تهافت التهافت
ثم قال أبو حامد معاندا للحكماء : والجواب أن رد الإمكان والوجوب والامتناع إلى قضايا عقلية صحيح . وما ذكر بأن معنى قضايا العقل علمه والعلم يستدعي معلوما فيقال لهم : كما اللونية والحيوانية وسائر القضايا الكلية ثابتة في العقل عندهم ، وهي علوم لا يقال لا معلوم لها ولكن لا وجود لمعلوماتها في الأعيان حتى صرح الفلاسفة بأن الكليات موجودة في الأذهان لا في الأعيان ، وإنما الموجود في الأعيان جزئيات شخصية وهي محسوسة غير معقولة ولكنها سبب لأن ينتزع العقل منها قضية مجردة عن المادة عقلية ، فإذا اللونية قضية مفردة في العقل سوى السوادية والبياضية ولا يتصور في الوجود لون ليس بسواد ولا بياض ولا غيره من الألوان ، وثبت في العقل صورة اللونية من غير تفصيل ويقال هي صورة وجودها في الأذهان لا في الأعيان فإن لم يمتنع هذا لم يمتنع ما ذكرناه . قلت : هذا كلام سفسطائي ، لأن الإمكان هو كلي ، له جزئيات موجودة خارج الذهن كسائر الكليات ، وليس العلم علما للمعنى الكلي ولكنه علم للجزئيات بنحو كلي يفعله الذهن في الجزئيات عندما يجرد منها الطبيعة الواحدة المشتركة التي انقسمت في المواد ، فالكلي ليست طبيعته طبيعة الأشياء التي هو لها كلي ، وهو في هذا القول غالط فأخذ أن طبيعة الإمكان هي طبيعة الكلي دون أن يكون هنالك جزئيات يستند إليها هذا الكلي أعني الإمكان الكلي . والكلي ليس بمعلوم بل به تعلم الأشياء ، وهو شيء موجود في طبيعة الأشياء المعلومة بالقوة ، ولولا ذلك لكان إدراكه للجزئيات من جهة ما هي كليات إدراكا كاذبا وإنما كان يكون ذلك كذلك لو كانت الطبيعة المعلومة جزئية بالذات لا بالعرض ، والأمر بالعكس ؛ أعني أنها جزئية بالعرض كلية بالذات ، ولذلك متى لم يدركها العقل من جهة ما هي كلية غلط فيها وحكم عليها بأحكام كاذبة ، فإذا جرد تلك الطبائع التي في الجزئيات من المواد وصيرها كليّة أمكن أن يحكم عليها حكما صادقا ، وإلا اختلطت عليه الطبائع والممكن هو واحد من هذه الطبائع . وأيضا فإن قول الفلاسفة الكليات موجودة في الأذهان لا في الأعيان ، إنما يريدون أنها موجودة بالفعل في الأذهان لا في الأعيان وليس يريدون إنها ليست موجودة أصلا في الأعيان بل يريدون إنها موجودة بالقوة غير موجودة بالفعل ، ولو كانت غير موجودة أصلا لكانت كاذبة . وإذا كانت خارج الأذهان موجودة بالقوة ، وكان الممكن خارج النفس بالقوة فإذا من هذه الجهة تشبه طبيعته الممكن ، ومنها رام أن يغلط لأنه شبه الإمكان بالكليات لكونهما يجتمعان في الوجود الذي بالقوة ، ثم وضع أن الفلاسفة يقولون : إنه