ابن رشد
71
تهافت التهافت
وأما كون العالم لا يمكن فيه أن يكون أصغر أو أكبر مما هو عليه ، فليس معروفا بنفسه ، والمحالات ، وإن كانت ترجع إلى المحالات المعروفة بأنفسها فهي ترجع بنحوين : أحدهما : أن يكون ذلك معروفا بنفسه أنه محال . والثاني : أن يكون يلزم عن وضعه لزوما قريبا ، أو بعيدا ، محال من المحالات المعروفة بأنفسها أنها محال . مثال ذلك : أن فرض العالم يمكن أن يكون أكبر ، أو أصغر ، يلزم عنه أن يكون خارجه ملاء ، أو خلاء ، ووضع خارجه ملاء أو خلاء ، يلزم عنه محال من المحالات . أما الخلاء فوجود بعد مفارق ، وأما الجسم ، فكونه متحركا : إما إلى فوق ، وإما إلى فوق ، وإما إلى أسفل ، وإما مستديرا . فإن كان ذلك كذلك ، وجب أن يكون جزءا من عالم آخر . وقد تبرهن أن وجود عالم آخر مع هذا العالم محال في العلم الطبيعي . وأقل ما يلزم عنه الخلاء ، لأن كل عالم لا بد له من أسطقسات أربعة ، وجسم مستدير يدور حولها . فمن أحب أن يقف على هذا ، فليضرب إليها بيده في المواضع التي وجب ذكرها . وذلك بعد الشروط التي يجب أن يتقدم وجودها في الناظر نظرا برهانيا . ثم ذكر الوجه الثاني فقال ( الغزالي ) : إنه إن كان العالم على ما هو عليه لا يمكن أن يكون أكبر منه أو أصغر . فوجوده على ما هو عليه واجب لا ممكن . والواجب مستغن عن علة . فقالوا بما قاله الدهريون من نفي الصانع ، ونفي سبب هو مسبب الأسباب ، وليس هذا مذهبكم . قلت : الجواب عن هذا ، أما بحسب مذهب ابن سينا فقريب . وذلك أن واجب الوجود عنده ضربان : واجب الوجود بذاته ، وواجب الوجود بغيره . والجواب عندي عن هذا أقرب . وذلك أنه يجب في الأشياء الضرورية على هذا القول أن لا يكون لها فاعل ولا صانع . مثال ذلك : أن الآلة التي ينشر بها الخشب ، هي آلة مقدرة في الكمية والكيفية ، والمادة . أعني أنها لا يمكن أن تكون من غير حديد ، ولا يمكن أن تكون بغير شكل المنشار . ولا يمكن أن يكون المنشار بأي قدر اتفق ، وليس أحد يقول : إن المنشار هو واجب الوجود . فانظر ما أخس هذه المغالطة .