ابن رشد

72

تهافت التهافت

ولو ارتفعت الضرورة عن كميات الأشياء المصنوعة وكيفياتها ، وموادها كما تتوهمه الأشعرية في المخلوقات مع الخالق ، لارتفعت الحكمة الموجودة في الصانع وفي المخلوقات . وكان يمكن أن يكون كل فاعل صانعا ، وكل مؤثر في الموجودات خالقا . وهذا كله إبطال للعقل والحكمة . قال أبو حامد : الثالث : هو أن هذا الفاسد لا يعجز الخصم عن مقابلته بمثله . ونقول : إنه لم يكن وجود العالم قبل وجوده ممكنا ، بل وافق الوجود الإمكان من غير زيادة ولا نقصان . فإن قلتم : فقد انتقل القديم من العجز إلى القدرة ، قلنا : لا ، لأن الوجود لم يكن ممكنا ، فلم يكن مقدورا . وامتناع حصول ما ليس بممكن لا يدل على العجز . وإن قلتم : إنه كيف كان ممتنعا فصار ممكنا ؟ قلنا : ولم يستحيل أن يكون ممتنعا في حال ، ممكنا في حال ؟ فإن قلتم : الأحوال متساوية . قيل لكم : والمقادير متساوية ، فكيف يكون مقدارا ممكنا ، أو أكبر منه أو أصغر بمقدار ظفر ممتنعا ؟ فإن لم يستحيل هذا ، فهذا لا يستحيل . فهذه طريقة المقاومة . والتحقيق في الجواب : أن ما ذكروه من تقدر الإمكانات لا معنى لها ، وإنما المسلم أن اللّه تعالى قديم قادر لا يمتنع عليه الفعل أبدا لو أراده ، وليس في هذا القدر ما يوجب إثبات زمان ممتد إلا أن يضيف الوهم إليه بتلبيسه أشياء أخر . قلت : حاصل هذا القول أن تقول الأشعرية للفلاسفة : هذه المسألة عندنا مستحيلة ؛ أعني قول القائل أن العالم يمكن أن يكون أكبر أو أصغر ، وذلك أن هذا السؤال إنما يتصور على مذهب من يرى أن الإمكان يتقدم خروج الشيء إلى الفعل ؛ أعني وجود الشيء الممكن . بل نقول : إن الإمكان وقع مع الفعل على ما هو عليه من غير زيادة ولا نقصان . قلت : إلا أن جحد تقدم الإمكان للشيء الممكن جحد للضروريات : فإن الممكن يقابله الممتنع من غير وسط بينهما ، فإن كان الشيء ليس ممكنا قبل وجوده ، فهو ممتنع ضرورة ، والممتنع إنزاله موجودا كذب محال . وأما إنزال الممكن موجودا فهو كذب ممكن ، لا كذب مستحيل . وقولهم : إن الإمكان مع الفعل كذب ، فإن الإمكان والفعل متناقضان لا يجتمعان في آن واحد ، فهؤلاء يلزمهم ألا يوجد إمكان لا مع الفعل ولا قبله . والإلزام الصحيح للأشعرية في هذا القول ليس هو أن ينتقل القديم من العجز إلى القدرة ، لأنه لا يسمى عاجزا من لم يقدر على فعل الممتنع ، وإنما الإلزام الصحيح أن يكون الشيء انتقل من طبيعة الامتناع إلى