ابن رشد
70
تهافت التهافت
الإمكان هاهنا يكون عقليا ، كما هو في قبل العالم عند الفلاسفة . ولذلك من يقول بحدوث العالم حدوثا زمانيا ، ويقول : إن كل جسم في مكان يلزمه أن يكون قبله مكان . وذلك إما جسم يكون حدوثه فيه ، وإما خلاء ؛ وذلك أن المكان يلزم أن يتقدم المحدث ضرورة . فمن يبطل وجود الخلاء ، ويقول بتناهي الجسم ليس يقدر أن يضع العالم محدثا . ولذلك من أنكر من متأخري الأشعرية وجود الخلاء فقد فارق أصول القوم ، ولم أر ذلك لهم . ولكن حدثني بذلك بعض من يعتني بمذاهب هؤلاء القوم . ولو كان فعل هذا الامتداد المقدر للحركة ، الذي هو كالكيل للحركة ، هو من فعل الوهم الكاذب ، مثل توهم العالم أكبر أو أصغر مما هو عليه ، لكان الزمان غير موجود ، لأن الزمان ليس هو شيئا غير ما يدركه الذهن من هذا الامتداد المقدر للحركة . فإن كان من المعروف بنفسه أن الزمان موجود ، فينبغي أن يكون هذا الفعل للذهن من أفعاله الصادقة المنسوبة إلى العقل ، لا من الأفعال المنسوبة إلى الخيال . قال أبو حامد : فإن قيل : ونحن نقول : إن ما ليس بممكن فغير مقدور . وكون العالم أكبر مما هو عليه وأصغر ليس بممكن ، فلا يكون مقدورا . قلت : هذا جواب لما شنعت به الأشعرية من أن وضع العالم يمكن الباري أن يصيره أكبر أو أصغر ، هو تعجيز للباري سبحانه . لأن العجز ، إنما هو عجز عن المقدور لا عن المستحيل . ثم قال أبو حامد رادا عليهم : وهذا العذر باطل من ثلاثة أوجه : أحدها : أن هذا مكابرة العقل ، فإن العقل في تقدير العالم ، أكبر أو أصغر مما هو عليه بذراع ، ليس هو كتقدير الجمع بين السواد والبياض ، والوجود والعدم ، والممتنع هو الجمع بين النفي والإثبات ، وإليه ترجع المحالات كلها ؛ فهو تحكم فاسد . قلت : القول بهذا هو كما قال ، مكابرة للعقل الذي هو في بادئ الرأي . وأما عند العقل الحقيقي ، فليس هو مكابرة ، فإن القول بإمكان هذا ، أو بعدم إمكانه مما يحتاج إلى برهان ، ولذلك صدق في قوله : إنه ليس امتناع هذا ، كتقدير الجمع بين السواد والبياض ، لأن هذا معروف بنفسه واستحالته .