ابن رشد

56

تهافت التهافت

هو شرط في جميع الموجودات ، وشرط في حفظ السماوات والأرض وما بينهما . وهذا كله ليس يتبين في هذا الموضع ببرهان ، ولكن بأقوال هي من جنس هذا القول ، وهي أقنع من أقوال الخصوم عند من أنصف . وإن تبين لك هذا ، فقد استغنيت عن الانفصال الذي ينفصل به أبو حامد عن خصماء الفلاسفة في توجه الاعتراض عليهم في هذه المسألة ، فإنها انفصالات ناقصة ، لأنه إذا لم تتبين الجهة التي من قبلها أدخلوا موجودات أزليا في الوجود ، لم يتبين وجه انفصالهم عن وجود الحادث عن الأزلي . وذلك هو كما قلنا : بتوسط ما هو أزلي في جوهره ، كائن فاسد في حركاته الجزئية ، لا في الحركة الكلية الدورية . أو بتوسط ما هو من الأفعال أزلي بالجنس ، أي ليس له أول ، ولا آخر . قال أبو حامد مجيبا عن الفلاسفة : فإن قيل : نحن لا نبعد صدور حادث من قديم ، أيّ حادث كان ، بل نبعد صدور حادث من قديم ، هو أول الحوادث إذ لا تفارق حالة الحدوث ما قبله في ترجيح جهة الوجود ، لا من حيث حضور وقت ، ولا آلة ، ولا شرط ، ولا طبيعة ، ولا غرض ، ولا سبب من الأسباب ، يجدّد حاله . وأما إذا لم يكن هو الحادث الأول ، جاز أن يصدر منه ، عند حدوث شيء آخر ، من استعداد المحل القابل ، وحضور الوقت الموافق أو ما جرى هذا المجرى . ولما أورد أبو حامد عنهم هذا الجواب ، قال مجيبا لهم : أما السؤال في حصول الاستعداد ، وحضور الوقت ، وكل ما يتجدد فيه ، فقائم . فإما ان يتسلسل إلى غير نهاية ، أو ينتهي إلى قديم يكون أول حادث منه . قلت : هذا السؤال هو الذي سألهم أولا عنه . وهذا النوع من الإلزام ، هو الذي ألزمهم منه أنه يصدر حادث من قديم . ولما أجاب عنهم بجواب لا يطابق السؤال ، وهو تجويز حادث عن قديم لا حادث له . أعاد عليهم السؤال مرة ثانية . والجواب عن هذا السؤال هو ما تقدم ، من وجه صدور الحادث عن القديم الأول ، لا بما هو حادث ، بل بما هو أزلي ، من جهة أنه أزلي بالجنس حادث بالأجزاء . وذلك أن كل فاعل قديم عندهم ، إن صدر عنه حادث بالذات ، فليس هو القديم الأول عندهم . وفعله عندهم مستند إلى القديم الأول ، أعني حضور فعل القديم الذي ليس بأول يستند إلى القديم الأول ، على