ابن رشد

57

تهافت التهافت

الوجه الذي يستند المحدث إلى القديم الأول ، وهو الاستناد الذي هو بالكل لا بالأجزاء . ثم أتى بجواب عن الفلاسفة بأن صوّر بعض التصوير مذهبهم . ومعناه : إنما يتصور حادث عن قديم بواسطة حركة دورية تشبه القديم من جهة أنها لا أول لها ولا آخر . وتشبه الحادث بأن كل جزء منها يتوهم ، فهو كائن فاسد ، فتكون هذه الحركة بحدوث أجزائها مبدأ للحوادث وتكون أزلية كليتها فعلا للأزلي . ثم قال في الاعتراض على هذا النحو من قبل صدور الحادث عن القديم الأول ، على مذهب الفلاسفة ، فقال لهم : الحركة الدورية التي هي المستند حادث أو قديم ؟ فإن كان قديما فكيف صار مبدأ لأول الحوادث ؟ وإن كان حادثا افتقر إلى حادث آخر وتسلسل . وقولكم : أنه من وجه يشبه القديم ومن وجه يشبه الحادث ، فإنه ثابت متجدد أي هو ثابت التجدد متجدد الثبوت . فنقول : أهو مبدأ الحوادث من حيث أنه ثابت أو من حيث أنه متجدد ؟ فإن كان من حيث أنه ثابت فكيف صدر من ثابت متشابه الأحوال شيء في بعض الأوقات دون بعض ؟ وإن كان من حيث أنه متجدد فما سبب تجدده في نفسه ؟ فيحتاج إلى سبب آخر ويتسلسل ، فهذا غاية تقرير الإلزام . هذا معنى قوله ، وهو قول سفسطائي . فإنه لم يصدر عنها الحادث ، من جهة ما هي ثابتة ، وإنما صدر عنها من حيث هي متجددة . إلا أنها لم تحتج إلى سبب مجدد محدث ، من جهة أن تجددها ليس هو محدثا ، وإنما هو فعل قديم ، أي لا أول له ولا آخر . فوجب أن يكون فاعل هذا ، هو فاعل قديم ، لأن الفعل القديم لفاعل قديم . والمحدث لفاعل محدث . والحركة إنما يفهم من معنى القدم فيها أنها لا أول لها ولا آخر . وهو الذي يفهم من ثبوتها . فإن الحركة ليست ثابتة ، وإنما هي متغيرة . فلما شعر أبو حامد بهذا قال : ولهم في الخروج عن هذا الإلزام نوع احتيال سنورده في بعض المسائل . الدليل الثاني قال أبو حامد : زعموا ( الفلاسفة ) أن القائل بأن العالم متأخر عن اللّه تعالى ، واللّه تعالى متقدم عليه ليس يخلو ؛ إما أن يريد به أنه متقدم بالذات ، لا بالزمان ، كتقدم الواحد على الاثنين ، فإنه