ابن رشد

53

تهافت التهافت

متأخر . وإنما يمكن أن يدعي أنهما متماثلان في قبول الوجود . وهذا كله ليس بصحيح ، فإن الذي يلزم المتقابلات بالذات أن تكون القابلات لها مختلفة . وأما أن قابل فعل الأضرار واحدا في وقت واحد ، فذلك مما لا يمكن . والفلاسفة لا يرون إمكان وجود الشيء وعدمه على السواء في وقت واحد . بل زمان إمكان الوجود غير زمان عدمه . والوقت عندهم شرط في حدوث ما يحدث ، وفي فساد ما يفسد . ولو كان زمان إمكان وجود الشيء وزمان عدمه واحدا ، أعني في مادة الشيء القريبة ، لكان وجوده فاسدا لإمكان عدمه . ولكان إمكان الوجود والعدم إنما هو من جهة الفاعل ، لا من جهة القابل . ولذلك أقول : من رام من هذه الجهة إثبات الفاعل ، فهو قول مقنع جدلي ، لا برهاني ، وإن كان يظن ب ( أبي نصر ) و ( ابن سينا ) أنهما سلكا في إثبات أن كل فعل له فاعل ، هذا المسلك وهو مسلك لم يسلكه المتقدمون . وإنما اتبع هذا الرجلان فيه المتكلمين من أهل ملتنا . وأما بالإضافة إلى حدوث الكل عند من يرى حدوثه فليس يتصور فيه متقدم ولا متأخر ، لأن المتقدم والمتأخر في الآنات ، إنما يتصوران بالإضافة إلى الآن الحاضر . وإذا لم يكن قبل حدوث العالم عندهم زمان ، فكيف يتصور أن يتقدم على الآن الذي حدث فيه العالم . ولا يمكن أن يتعين وقت لحدوث العالم لأن قبله ، إما أن لا يكون زمان ، وإما أن يكون زمان لا نهاية له . وعلى كلا الوجهين لا يتعين له وقت مخصوص تتعلق به الإرادة . فلذلك كان هذا الكتاب أليق لفظ به كتاب التهافت بإطلاق ، لا تهافت الفلاسفة ، لأن الذي يفيد الناظر أنه تهافت . وقوله : وإن ساغ لهم دعوى الاختلاف مع هذا التشابه كان لخصومهم دعوى الاختلاف في الأحوال والهيئات أيضا . يريد أنه إن صح للفلاسفة دعواهم الاختلاف في جهات الحركات ، صح لخصومهم دعوى الاختلاف في الأزمنة ، مع اعتقادهم التشابه فيها . وهذه معاندة بحسب قول القائل ، لا بحسب الأمر في نفسه ، إذا سلم التناسب بين الجهات المتقابلة والأزمنة المتخالفة . وقد يعاند هذا العدم التناسب في هذا