ابن رشد

54

تهافت التهافت

الغير وفي الأزمنة والجهات . وللخصم أن يلتزم التساوي بينهما في دعوى الاختلاف ودعوى التماثل . فلذلك كانت هذه كلها أقاويل جدلية . قال أبو حامد : الاعتراض الثاني : على أصل دليلهم أن يقال إنكم استبعدتم حدوث حادث من قديم ، ولا بد لكم من الاعتراف به ، فإن في العالم حوادث ، ولها أسباب ، فإن استندت الحوادث إلى حوادث ، إلى غير نهاية ، فهو محال ، وليس ذلك مما يعتقده عاقل . ولو كان ذلك ممكنا ، لاستغنيتم عن الاعتراف بالصانع وإثبات واجب وجود هو مستند الكائنات . وإذا كانت الحوادث لها طرف ينتهي تسلسلها إليه فيكون ذلك الطرف هو القديم . فلا بد إذن على أصلهم من تجويز صدور حادث من قديم . قلت : لو أن الفلاسفة أدخلوا الموجود القديم في الوجود من قبل الوجود الحادث على هذا النحو من الاستدلال . أي لو وضعوا أن الحادث بما هو حادث إنما يصدر عن قديم ، لما كان لهم محيص من أن ينفكوا عن الشك في هذه المسألة . لكن ينبغي أن تعلم أن الفلاسفة يجوزون وجود حادث عن حادث إلى غير نهاية بالعرض لو كان ذلك متكررا في مادة منحصرة ، متناهية ، مثل أن يكون فساد الفاسد منهما شرطا في وجود الثاني . مثال ذلك : أنه واجب أن يتكون عندهم إنسان عن إنسان ، بشرط أن يفسد الإنسان المتقدم حتى يكون هو المادة التي يتكون منها الثالث . مثال ذلك : أن تتوهم إنسانين فعل الأول منهما الثاني ، من مادة إنسان فاسد . فلما صار الثاني إنسانا بذاته ، فسد الإنسان الأول فصنع الإنسان الثاني من مادته إنسانا ثالثا . ثم فسد الإنسان الثاني فصنع من مادته الإنسان الثالث إنسانا رابعا . فإنه يمكن أن نتوهم في مادتين تأتي الفعل إلى غير نهاية ، من غير أن يعرض في ذلك محال ، وذلك ما دام الفاعل باقيا . فإن كان هذا الفاعل الأول ، لا أول لوجوده ولا آخر ، كان هذا الفعل لا أول لوجوده ولا آخر كما تبين فيما سلف . وكذلك يعرض أن يتوهم فيهما في الماضي . أعني أنه متى كان الإنسان فقد كان قبله إنسان فعله وإنسان فسد . وقبل ذلك الإنسان إنسان فعله ، وإنسان فسد . وذلك أن كل ما هذا شأنه ، إذا استند إلى فاعل قديم فهو في طبيعة الدائرة ليس يمكن فيه كل . وأما لو كان إنسان عن إنسان ، من مواد لا نهاية لها ، أو يمكن أن يتزيد