ابن رشد
46
تهافت التهافت
وهذه هي حال الإرادة الأولى مع الموجودات ، فإنها إنما تختار لها أبدا أفضل المتقابلين ، وذلك بالذات وأولا . فهذا هو أحد صنفي المعاندة التي تضمنها هذا القول . وأما المعاندة الثانية فإنه لم يسلم انتفاء هذه الصفة عن الإرادة التي في الشاهد ، ورام أن يثبت أنه يوجد لنا في الأشياء المتماثلة إرادة تميز الشيء عن مثله . وضرب لذلك مثالا : مثل أن نفرض بين يدي رجل تمرتين متماثلتين من جميع الوجوه ، ونقدّر أن لا يمكن أن يأخذهما معا ، ونقدر أنه ليس يتصور له في واحد منهما مرجح ، فإنه ولا بد سيميز إحداهما بالأخذ . وهذا تغليط شيء بهذه الصفة ، ووضع مريد دعته الحاجة إلى أكل التمر ، أو أخذه ، فإن أخذه إحدى التمرتين في هذه الحال ليس تمييز المثل عن مثله ، وإنما هو إقامة المثل بدل مثله ، فأي منهما أخذ بلغ مراده وتم له غرضه . فإرادته إنما تعلقت بتمييز أخذ إحداهما عن الترك المطلق لا بأخذ أحدهما وتمييزه عن ترك الأخرى . أعني ، إذا فرضت الأغراض فيهما متساوية ، فإنه لا يؤثر أخذ إحداهما على الثانية . وإنما يؤثر أخذ واحدة منهما أيتهما اتفق ، ويرجحه على ترك الأخذ . وهذا بيّن بنفسه ، فإن تمييز إحداهما عن الثانية هو ترجح إحداهما على الثانية . ولا يمكن أن يترجح أحد المثلين على صاحبه بما هو مثل ، وإن كانا في وجودهما ، من حيث هما شخصان ، ليسا متماثلين . لأن كل شخصين يغاير أحدهما الثاني ، بصفة خاصة به . فإن فرضنا الإرادة تعلقت بالمعنى الخاص من أحدهما ، تصور وقوع الإرادة بأحدهما دون الثاني ، لأن الغيرية موجودة فيهما . فإذن لم تتعلق الإرادة بالمتماثلين من جهة ما هما متماثلين . فهذا هو معنى ما ذكره من الوجه الأول في الاعتراض . ثم ذكر أبو حامد الوجه الثاني من الاعتراض على قولهم : إنه لا يوجد صفة تميز أحد المثلين عن صاحبه فقال : والوجه الثاني في الاعتراض هو أنا نقول : أنتم في مذهبكم ما استغنيتم عن تخصيص الشيء عن مثله ، فإن العالم وجد عن سببه الموجب له على هيئات مخصوصة تماثل نقائضها ، فلم اختص ببعض الوجوه ؟ واستحالة تميز الشيء عن مثله في الفعل أو في اللزوم بالطبع أو بالضرورة لا تختلف . إلى قوله : صار ثبوت الوضع به أولى من تبدل الوضع متساوية ، وهذا لا مخرج منه .