ابن رشد
47
تهافت التهافت
قلت : محصل هذا القول ، أن الفلاسفة يلزمهم أن يعترفوا بأن هاهنا صفة في الفاعل للعالم تخصص الشيء عن مثله . وذلك أنه يظهر أن العالم ممكن أن يكون بشكل غير هذا الشكل ، وبكمية غير هذه الكمية ، لأنه يمكن أن يكون أكبر مما هو عليه ، أو أصغر ، وإذا ذلك كذلك ، فهي متماثلة في اقتضاء وجوده . فإن قالت الفلاسفة : إن العالم إنما أمكن أن يكون بشكله المخصوص وكمية أجسامه المخصوصة ، وعدده المخصوص . وإن هذا التماثل إنما يتصور في أوقات الحدوث ، فإنه ليس هنالك وقت كان حدوث العالم فيه أولى من غيره . قيل لهم : قد كان يمكنكم أن تجاوبوا عن هذا بأن خلق العالم وقع في الوقت الأصلح . ولكن نريهم شيئين متماثلين ، ليس يمكن الفلاسفة أن يدعوا بينهما خلافا . أحدهما : تخصيص جهة الحركة التي للأفلاك . والثاني : تخصيص موضع القطبين من الأفلاك . فإن كل نقطتين متقابلتين فرضتا في الخط الواصل من أحدهما إلى الثاني بمركز الكرة فإنه يمكن أن يكونا قطبين . فتخصيص نقطتين عن سائر النقط التي تصلح أن تكون قطبا للكرة الواحدة بعينها عن سائر النقط التي في تلك الكرة ، لا يكون إلا عن صفة مخصصة لأحد المثلين . فإن قالوا : إنه ليس يصلح أن يكون كل موضع من الكرة محلا للقطبين . قلنا لهم : يلزمكم على هذا الأصل أن لا تكون متشابهة الأجزاء . وقد قلتم في غير ما موضع : إنه بسيط ، وإنه لموضع هذا كان له شكل بسيط ، وهو الكري . وأيضا فإن ادعوا أن فيه مواضع غير متشابهة فقد يقال لهم : من أي جهة صارت غير متشابهة بالطبع ؟ هل من جهة أنها جسم ؟ أو من جهة أنها جسم سماوي ؟ ولا يصح عدم التشابه من هاتين الجهتين . وإذا كان هذا هكذا ، فكما يستقيم لهم قولهم : إن الأوقات في حدوث العالم متماثلة ، كذلك يستقيم لخصومهم أن جميع أجزاء الفلك في كونها أقطابا متساوية لا يظهر أن ذلك يختص منها بوضع دون وضع ، ولا بموضع ثبوت دون موضع . فهذا هو تلخيص هذا العناد ، وهو خطابي ، وذلك أن كثيرا من الأمور