ابن رشد
45
تهافت التهافت
الأخذ ، فإنّا نقدر على فرض انتفائه ، ويبقى إمكان الأخذ . فأنتم بين أمرين : إما أن تقولوا : إنه لا يتصور التساوي بالإضافة إلى أغراضه فقط ، وهو حماقة وفرضه ممكن . وإما أن تقولوا : التساوي إذا فرض بقي الرجل المتشوق أبدا متحيرا ينظر إليهما ، فلا يأخذ إحداهما بمجرد الإرادة والاختيار المنفك عن الغرض ، وهو أيضا محال يعلم بطلانه ضرورة . فإذن لا بد لكل ناظر ، شاهدا أو غائبا في تحقيق الفعل الاختياري من إثبات صفة شأنها تخصيص الشيء عن مثله . قلت : حاصل هذه المعاندة ينحصر في وجهين : أحدهما : أنه يسلم أن الإرادة التي في الشاهد هي التي يستحيل عليها أن تميز الشيء عن مثله ، بما هو مثل . وأن دليل العقل قد اضطر إلى وجود صفة هذا شأنها في الفاعل الأول وما يظن من أنه ليس ممكنا وجود صفة بهذه الحال ، فهو مثل ما يظن أنه ليس هنا موجود هو لا داخل العالم ولا خارجه . وعلى هذا فتكون الإرادة الموصوف بها الفاعل سبحانه . وإرادة الإنسان مقولة باشتراك الاسم كالحال في اسم العلم ، وغير ذلك من الصفات التي وجودها في الأزلي غير وجودها في المحدث وإنما نسميها إرادة بالشرع . وظاهر أن أقصى مراتب هذا العناد أنه جدلي . لأن البرهان الذي أدعى إلى إثبات صفة بهذه الحال ، أعني أن تخصيص المثل بالإيجاد ، عن مثله ، إنما هو وضع المرادات متماثلة ، وليست متماثلة ، بل هي متقابلة ، إذ جميع المتقابلات كلها راجعة إلى الوجود والعدم ، وهما في غاية التقابل الذي هو نقيض التماثل . فوضعهم أن الأشياء التي تتعلق بها الإرادة متماثلة ، وضع كاذب ، وسيأتي القول فيه بعد . فإن قالوا : إنما قلنا : إنها متماثلة بالإضافة إلى المريد الأول إذ كان متقدسا عن الأغراض ، الأغراض هي التي تخصص الشيء بالفعل عن مثله . قلنا : أما الأغراض التي حصولها مما تكمل به ذات المريد ، مثل أغراضنا نحن التي من قبلها تتعلق إرادتنا بالأشياء ، فهي مستحيلة على اللّه سبحانه ، لأن الإرادة التي هذا شأنها هي شوق إلى التمام عند وجود النقصان في ذات المريد . وأما الأغراض التي هي لذات المراد لا لأن المراد يحصل منه للمريد شيء لم يكن له ، بل إنما يحصل ذلك للمراد فقط ، كإخراج الشيء من العدم إلى الوجود ، فإنه لا شك في أن الوجود أفضل له من العدم ، أعني للشيء المخرج .