ابن رشد

44

تهافت التهافت

تحيط بالمعلوم . فقال لهم خصومهم من الفلاسفة : هذا محال لا يتصور وقوعه ، لأن المتماثلين عند المريد على السواء ، لا يتعلق فعله بأحدهما دون الثاني ، إلا من جهة ما هما غير متماثلين ، أعني من جهة ما في أحدهما من صفة ليست في الثاني . وأما إذا كانا متماثلين من جميع الوجوه ، ولم يكن هنالك مخصص أصلا ، كانت الإرادة تتعلق بهما على السواء . وإذا كان تعلقها بهما على السواء ، وهي سبب الفعل ، فليس تعلق الفعل بأحدهما أولى من تعلقه بالثاني . فأما أن يتعلق بالفعلين المتضادين معا ، وأما أن يتعلق ولا بواحد منهما ، وكلا الأمرين مستحيل . ففي القول الأول كأنهم سلموا لهم أن الأشياء كلها متماثلة بالإضافة إلى الفاعل الأول ، وألزموهم أن يكون هنالك مخصص أقدم منه ، وذلك محال . فلما جاوبوهم بأن الإرادة صفة من شأنها تمييز المثل عن مثله ، بما هو مثل ، عاندوهم بأن هذا غير مفهوم ولا معقول من معنى الإرادة . فكأنهم ناكروهم في الأصل الذي كانوا سلموه . هذا هو حاصل ما احتوى عليه الفصل ، وهو نقل الكلام من المسألة الأولى ، إلى الكلام في الإرادة ، والنقل فعل سفسطائي . قال أبو حامد مجيبا عن المتكلمين في إثبات الإرادة : والاعتراض من وجهين : أحدهما : أن قولكم : إن هذا لا يتصور ، عرفتموه ضرورة أو نظرا ؟ ولا يمكن دعوى واحد منهما ، وتمثيلكم بإرادتنا مقايسة فاسدة ، تضاهي المقايسة في العلم ، وعلم اللّه يفارق علمنا في أمور قررناها ، فلم تبعد المفارقة في الإرادة بل هو كقول القائل : ذات موجودة لا خارج العالم ولا داخله ، ولا متصلا ولا منفصلا لا يعقل لأنّا لا نعقله في حقنا . قيل هذا عمل توهمك ، وأما دليل العقل فقد ساق العقلاء إلى التصديق بذلك ، فبم تنكرون على من يقول : دليل العقل ساق إلى إثبات صفة اللّه تعالى من شأنها تمييز الشيء عن مثله ؟ فإن لم يطابقها اسم الإرادة فلتسمّ باسم آخر ، فلا مشاحة في الأسماء ، وإنما أطلقناها نحن بإذن الشرع ، وإلا فالإرادة موضوعة في اللغة لتعيين ما فيه غرض ، ولا غرض في حق اللّه ، وإنما المقصود المعنى دون اللفظ . على أنه في حقّنا لا نسلم أن ذلك غير متصور ، فإنا نفرض تمرتين متساويتين بين يدي المنسوق إليهما ، العاجز عن تناولهما جميعا ، فإنه يأخذ إحداهما لا محالة بصفة شأنها تخصيص الشيء عن مثله . وكل ما ذكرتموه من المخصصات من الحسن أو القرب أو تيسر