ابن رشد
41
تهافت التهافت
الصفة ، فواجب إذا فارقت الأبدان أن تكون واحدة بالعدد . وهذا العلم لا سبيل إلى إفشائه في هذا الموضع . والقول الذي استعمل في إبطال مذهب أفلاطون هو سفسطائي . وذلك أن حاصله هو أن نفس زيد ، إما أن تكون هي عين نفس عمرو وإما أن تكون غيرها . لكنها ليست هي عين نفس عمرو ، فهي غيرها . فإن الغير اسم مشترك . وكذلك الهوهو يقال على عدة ما يقال عليه الغير . فنفس زيد وعمرو هي : واحدة من جهة ، كثيرة من جهة . كأنك قلت : واحدة من جهة الصورة ، كثيرة من جهة الحامل لها . وأما قوله : إنه لا يتصور انقسام إلا فيما له كمية ، فقول كاذب . وذلك أن هذا صادق فيما ينقسم بالذات ، وليس صادقا فيما ينقسم بالعرض ، أعني ما ينقسم من قبل كونه في منقسم بالذات . فالمنقسم بالذات هو الجسم مثلا ، والمنقسم بالعرض هو مثل انقسام البياض الذي في الأجسام بانقسام الأجسام . وكذلك الصور هي منقسمة بالعرض ، أي بانقسام محلها . والنفس أشبه شيء بالضوء ينقسم بانقسام الأجسام المضيئة ، ثم يتحد عند انتفاء الأجسام . وكذلك الأمر في النفس مع الأبدان . فإتيانه بمثل هذه الأقاويل السفسطائية قبيح ، فإنه يظن به أنه ممن لا يذهب عليه ذلك . وإنما أراد بذلك مداهنة أهل زمانه . وهو بعيد من خلق القاصدين لإظهار الحق . ولعل الرجل معذور بحسب وقته ومكانه ، فإن هذا الرجل امتحن في كتبه . ولكون هذه الأقاويل ليست بمفيدة نوعا من أنواع اليقين قال : والمقصود من هذا كله أن نبين ( الغزالي ) أنهم لم يعجزوا خصومهم عن معتقدهم في تعلق الإرادة بالإحداث إلا بدعوى الضرورة . فإنهم لا ينفصلون عمن يدعي الضرورة عليهم في هذه الأمور على خلاف معتقدهم ، وهذا لا مخرج عنه . قلت : أما من ادعى فيما هو معروف بنفسه أنه بحالة ما ، أنه بخلاف تلك الحالة ، فليس يوجد قول ينفصل به عنه ، لأن كل قول إنما يبين بأمور معروفة يستوي في الإقرار بها الخصمان . فإذا ادعى الخصم في كل قول خلاف ما يضعه مخاصمه ، لم يكن للخصم سبيل إلى مناظرته . لكن من هذه صفته فهو خارج عن الإنسانية وهؤلاء هم الذين يجب تأديبهم . وأما من ادعى في