ابن رشد

42

تهافت التهافت

المعروف بنفسه أنه غير معروف بنفسه لموضع شبهة دخلت عليه ، فهذا له دواء ، وهو حل تلك الشبهة . وأما من لم يعترف بالمعروف بنفسه ، لأنه ناقص الفطرة ، فهذا لا سبيل إلى إفهامه شيئا ، ولا معنى لتأديبه أيضا ، فإنه مثل من كلف الأعمى أن يعترف بتصور الألوان أو وجودها . قال أبو حامد محتجا على الفلاسفة : فإن قيل : هذا ينقلب عليكم في أن اللّه تعالى قبل خلق العالم ، كان قادرا على الخلق بقدر سنة أو سنين ، ولا نهاية لقدرته . فكأنه صبر ولم يخلق ، ثم خلق . ومدة الترك هي متناهية أو غير متناهية . فإن قلتم متناهية ، صار وجود الباري متناهيا ، وإن قلتم : غير متناهية ، فقد انقضى مدة فيها إمكانات لا نهاية لأعدادها . قلنا : المدة والزمان مخلوقان عندنا . وسنبين حقيقة الجواب عن هذا في الانفصال عن دليلهم الثاني . قلت : أكثر من يقول بحدوث العالم ، يقول بحدوث الزمان معه ، فلذلك كان قوله : إن مدة الترك لا تخلو أن تكون متناهية أو غير متناهية ، قولا غير صحيح . فإن ما لا ابتداء له لا ينقضي ولا ينتهي أيضا فإن الخصم لا يسلم أن للترك مدة . وإنما الذي يلزمهم أن يقال لهم : حدوث الزمان هل كان يمكن فيه أن يكون طرفه الذي هو مبدؤه ، أبعد من الآن الذي نحن فيه ، أوليس يمكن ذلك . فإن قالوا : ليس يمكن ذلك ، فقد جعلوا مقدارا محدودا ، لا يقدر الصانع أكثر منه ، وهذا شنيع ومستحيل عندهم . وإن قالوا : إنه يمكن أن يكون طرفه أبعد من الآن ، من الطرف المخلوق ، قيل : وهل يمكن في ذلك الطرف الثاني أن يكون طرف أبعد منه ؟ . فإن قالوا : نعم ولا بد لهم من ذلك ، قيل : فههنا إمكان حدوث مقادير من الزمان لا نهاية لها ، ويلزمكم أن يكون انقضاؤها على قولكم في الدورات شرطا في حدوث المقدار الزماني الموجود فيها . وإن قلتم : إن ما لا نهاية له لا ينقضي ، فما ألزمتم خصومكم في الدورات ألزمكم في إمكان مقادير الأزمنة الحادثة . فإن قيل : إن الفرق بينهما أن تلك الإمكانات غير المتناهية هي لمقادير لم تخرج إلى الفعل ، وإمكانات الدورات التي لا نهاية لها ، قد خرجت إلى الفعل . قيل : إمكانات الأشياء هي من الأمور اللازمة للأشياء ، سواء كانت متقدمة