ابن رشد
36
تهافت التهافت
الماضي ، حركات لا نهاية لها ، فليس يوجد منها حركة في الزمان الحاضر المشار إليه ، إلا وقد انقضت قبلها حركات لا نهاية لها . وهذه صحيح ومعترف به عند الفلاسفة ، إن وضعت الحركة المتقدمة شرطا في وجود المتأخرة . وذلك أنه متى لزم أن توجد واحدة منها ، لزم أن توجد قبلها أسباب لا نهاية لها . وليس يجوّز أجد من الحكماء وجود أسباب لا نهاية لها ، كما تجوزه الدهرية . لأنه يلزم عنه وجود مسبب من غير سبب ومتحرك من غير محرك . لكن القوم لما أداهم البرهان إلى أن هاهنا مبدأ محركا أزليا ليس لوجوده ابتداء ولا انتهاء . وإن فعله يجب أن يكون غير متراخ عن وجوده ، لزم أن لا يكون لفعله مبدأ كالحال في وجوده . وإلا كان فعله ممكنا ، لا ضروريا ، فلم يكن مبدأ أولا ، فيلزم أن تكون أفعال الفاعل الذي لا مبدأ لوجوده ، ليس لها مبدأ ، كالحال في وجوده . وإذا كان ذلك كذلك . لزم ضرورة أن لا يكون واحد من أفعاله الأولى شرطا في وجود الثاني ، لأن كل واحد منهما هو غير فاعل بالذات . وكون بعضها قبل بعض هو بالعرض . فجوزوا وجود ما لا نهاية له بالعرض ، لا بالذات . بل لزم أن يكون هذا النوع مما لا نهاية له أمرا ضروريا تابعا لوجود مبدأ أول أزلي . وليس ذلك في أمثال الحركات المتتابعة أو المتصلة ، بل في الأشياء التي يظن بها ، أن المتقدم سبب للمتأخر ، مثل الإنسان الذي يلد إنسانا مثله ، وذلك أن المحدث للإنسان المشار إليه بإنسان آخر يجب أن يترقى إلى فاعل أول قديم لا أول لوجوده ، ولا لإحداثه إنسانا عن إنسان . فيكون كون إنسان عن إنسان آخر ، إلى ما لا نهاية له ، كونا بالعرض ، والقبلية والبعدية بالذات . وذلك أن الفاعل الذي لا أول لوجوده ، كما لا أول لأفعاله التي يفعلها بلا آلة ، كذلك لا أول للآلة التي يفعل بها أفعاله ، التي لا أول لها ، التي من شأنها أن تكون بآلة . فلما اعتقد المتكلمون فيما بالعرض أنه بالذات ، دفعوا وجوده ، وعسر حل قولهم ، وظنوا أن دليلهم ضروري . وهذا من كلام الفلاسفة بيّن . فإنه قد صرح رئيسهم الأول ، وهو أرسطو ، أنه لو كانت للحركة حركة ، لما وجدت الحركة . وأنه لو كان للأسطقس ، أسطقس ، لما وجد الأسطقس . وهذا النحو مما لا نهاية له ، ليس له عندهم مبدأ ولا منتهى ، ولذلك ليس يصدق على شيء