ابن رشد
37
تهافت التهافت
منه ، أنه قد انقضى ، ولا أنه قد دخل في الوجود ، ولا في الزمان الماضي . لأن كل ما انقضى فقد ابتدأ ، وما لم يبتدئ فلا ينقضي . وذلك أيضا في كون المبدأ والنهاية من المضاف . ولذلك يلزم من قال : إنه لا نهاية لدورات الفلك في المستقبل أن لا يضع لها مبدأ . لأن ما له مبدأ فله نهاية ، وما ليس له نهاية فليس له مبدأ . وكذلك الأمر في الأول والآخر . أعني ما له أول ، فله آخر ، وما لا أول له فلا آخر له . وما لا آخر له فلا انقضاء لجزء من أجزائه بالحقيقة . وما لا مبدأ لجزء من أجزائه بالحقيقة فلا انقضاء له . ولذا إذا سأل المتكلمون الفلاسفة : هل انقضت الحركات التي قبل الحركة الحاضرة كان جوابهم : إنها لم تنقض ، لأن من وضعهم أنها لا أول لها ، فلا انقضاء لها . فإيهام المتكلمين أن الفلاسفة يسلمون انقضاءها ليس بصحيح ، لأنه لا ينقضي عندهم إلا ما ابتدأ . فقد تبين لك أنه ليس في الأدلة التي حكاها عن المتكلمين في حدوث العالم كفاية في أن تبلغ مرتبة اليقين ، وأنها ليست تلحق بمراتب البرهان . ولا الأدلة التي أدخلها وحكاها عن الفلاسفة في هذا الكتاب لا حقة بمراتب البرهان . وهذا الذب قصدنا بيانه في هذا الكتاب . وأما ما أجاب به أبو حامد عن الفلاسفة ، في كسر دليل كون الحركات السماوية بعضها أسرع من بعض ، والرد عليهم ، فهذا نصه . قال أبو حامد : فإن قيل : محل الغلط في قولكم : إنها جملة مركبة من أحاد . فإن هذه الدورات معدومة ، أما الماضي فقد انقرض ، وأما المستقبل فلم يوجد بعد . والجملة إشارة إلى موجودات حاضرة ، ولا موجود هاهنا . ثم قال ( الغزالي ) هو في مناقضة هذا : قلنا : العدد ينقسم إلى الشفع والوتر ويستحيل أن يخرج عنه ، سواء كان المعدود موجودا باقيا ، أو فانيا : فإذا فرضنا عددا من الأعداد لزمنا أن نعتقد أنه لا يخلو من كونه شفعا أو وترا . سواء قدرناها موجودة أو معدومة ، فإنه إن انعدمت بعد الوجود ، لم تنعدم هذه القضية ولا تغيرت . قلت : هذا القول إنما يصدق فيما له مبدأ ونهاية خارج النفس ، أو في