ابن رشد

35

تهافت التهافت

شفع ؛ فالشفع يصير وترا بواحد ، فكيف أعوز ما لا نهاية له واحد ؟ وإن قلتم : وتر ، فالوتر يصير بواحد شفعا فكيف أعوذه ذلك الواحد الذي يصير به شفعا ؟ فيلزمكم القول بأنه ليس بشفع ولا وتر . قلت : حاصل هذا القول إنه إذا توهمت حركتان ذاتا أدوار بين طرفي زمان واحد ثم توهم جزء محصور من كل واحد منهما بين طرفي زمان واحد ، فإن نسبة الجزء من الجزء هي نسبة الكل من الكل . مثال ذلك : إنه إذا كانت دورة زحل في المدة من الزمان التي تسمى سنة ، ثلث عشر دورات الشمس في تلك المدة ، فإنه إذا توهمت جملة دورات الشمس إلى جملة دورات زحل مذ وقعت في زمان واحد بعينه ، لزم ولا بد أن تكون نسبة جميع أدوار الحركة ، من جميع أدوار الحركة الأخرى ، هي نسبة الجزء من الجزء . وأما إذا لم يكن بين الحركتين الكليتين نسبة ، لكون كل واحد منهما بالقوة أي لا مبدأ لها ولا نهاية ، كانت هنالك نسبة بين الأجزاء لكون كل واحد منها بالفعل ، فليس يلزم أن يتبع نسبة الكل إلى الكل ، نسبة الجزء إلى الجزء ، كما وضع القوم فيه دليلهم ، لأنه لا توجد نسبة بين عظيمين أو قدرين كل واحد منهما يفرض لا نهاية له . فإن القدماء لما كانوا يفرضون مثلا : جملة حركة الشمس لا مبدأ لها ولا نهاية ، لها ، وكذلك حركة زحل ، لم يكن بينهما نسبة أصلا حتى يلزم من ذلك أن تكون الجملتان متناهيتين كما لزم في الجزءين من الجملة . وهذا بيّن بنفسه . فهذا القول يوهم أنه إذا كانت نسبة الأجزاء إلى الأجزاء نسبة الأكثر إلى الأقل ، فيلزم في الجملتين أن تكون نسبة أحدهما إلى الأخرى ، نسبة الأكثر إلى الأقل . وهذا إنما يلزم إذا كانت الجملتان متناهيتين . وأما إذا لم يكن هنالك نهاية فلا كثرة هنالك ولا قلة . وإذا وضع أن هنالك نسبة ، وهي نسبة الكثرة إلى القلة ، توهم أنه يلزم عن ذلك محال آخر ، وهو أن يكون ما لا نهاية له أعظم مما لا نهاية له . وهذا إنما هو محال إذا أخذ شيئان غير متناهيين بالفعل ، لأنه حينئذ توجد النسبة بينهما . وأما إذا أخذ بالقوة ، فليس هنالك نسبة . فهذا هو الجواب في هذه المسألة ، لا ما جاوب به أبو حامد عن الفلاسفة . وبهذا تنحل جميع الشكوك الواردة لهم في هذا الباب ، وأعسرها كلها هو ما جرت به عادتهم أن يقولوا ، إنه إذا كانت الحركات الواقعة في الزمن