ابن رشد
34
تهافت التهافت
فكذلك الأمر فيما هو يقين عند المرء لا يخلّ به عند إنكار من ينكره . وهذه الأقاويل كلها في غاية الوهن والضعف . وقد كان يجب عليه أن لا يشحن كتابه هذا بمثل هذه الأقاويل ، إن كان قصده فيه إقناع الخواص . ولما كانت الإلزامات التي أتى بها في هذه المسألة أجنبية وغريبة عن المسألة قال ( الغزالي ) في أثر هذا : ( قال أبو حامد ) بل لا نتجاوز إلزامات هذه المسألة فنقول لهم : بم تنكرون على خصومكم ( الأشاعرة ) إذا قالوا : قدم العالم محال لأنه يؤدي إلى إثبات دورات للفلك لا نهاية لأعدادها ، ولا حصر لأحدها ، مع أن لها سدسا ، وربعا ونصفا . . إلى قوله : فيلزمكم القول بأنه ليس بشفع ولا وتر كما سنصفه . وهذا أيضا معارضة سفسطائية ، فإن حاصلها هو أنه كما أنكم تعجزون عن نقض دليلنا في أن العالم محدث ، وهو أنه لو كان غير محدث لكانت دورات لا شفع ولا وتر . كذلك نعجز عن نقض قولهم إنه إذا كان فاعل لم يزل مستوفيا شروط الفعل ، وإنه لا يتأخر عنه مفعوله . وهذا القول غايته هو إثبات الشك ، وتقريره ، وهو أحد أغراض السفسطائيين . وأنت يا هذا الناظر في هذا الكتاب فقد سمعت الأقاويل التي قالتها الفلاسفة في إثبات أن العالم قديم ، في هذا الدليل . والأقاويل التي قالتها الأشعرية في مناقضة ذلك . فاسمع أدلة الأشعرية في ذلك ، واسمع الأقاويل التي قالتها الفلاسفة في مناقضة أدلة الأشعرية بما نصه هذا الرجل . قال أبو حامد : فنقول : بما تنكرون على خصومكم ( الأشاعرة ) إذا قالوا : قدم العالم محال ، لأنه يؤدي إلى إثبات دورات للفلك لا نهاي لأعدادها ، ولا حصر لآحادها ، مع أن لها سدسا ، وربعا ونصفا . فإن فلك الشمس يدور في سنة ، وفلك زحل في ثلاثين سنة ، فتكون دورة زحل ، ثلث عشر دورة الشمس . ودورة المشتري نصف سدس دورة الشمس ؛ فإنه يدور في اثنتي عشرة سنة . ثم إنه كما لا نهاية لأعداد دورات زحل ، لا نهاية لأعداد دورات الشمس ، مع أنه ثلث عشرة . بل لا نهاية لأدوار فلك الثوابت الذي يدور في سنة وثلاثين ألف سنة مرة واحدة ، كما لا نهاية للحركة المشرقية التي للشمس في اليوم والليلة مرة . فلو قال قائل : هذا مما يعلم استحالته ضرورة ، فبما ذا تنفصلون عن قوله ؟ بل لو قال قائل : أعداد هذه الدورات شفع أو وتر ، أو شفع ووتر جميعا أو لا شفع ولا وتر . فإن قلتم : شفع ووتر جميعا ، أو لا شفع ولا وتر ، فيعلم بطلانه ضرورة . وإن قلتم