ابن رشد

33

تهافت التهافت

العلم بتعدد المعلوم . وهذا مذهبكم في حق اللّه تعالى ، وهو بالنسبة إلينا وإلى علومنا ، في غاية الإحالة ، ولكن تقولون : لا يقاس العلم القديم بالحادث . وطائفة منكم استشعروا إحالة هذا ، فقالوا : إن اللّه تعالى لا يعلم إلا نفسه ، فهو العاقل ، وهو العقل ، وهو المعقول ، والكل واحد . فلو قال قائل : اتحاد العقل والعاقل والمعقول ، معلوم الاستحالة بالضرورة ، إذ تقدير صانع للعالم لا يعلم صنعه محال بالضرورة . والقديم إذا لم يعلم إلا نفسه ، تعالى عن قولهم وعن قول جميع الزائفين علوا كبيرا ، لم يكن يعلم صنعه البتة ، بل لا نتجاوز إلزامات هذه المسألة . قلت : حاصل هذا القول أنهم لم يدعوا خلاف ما أظهروا ، من ضرورة امتناع تراخي المفعول عن فعله مجانا ، وبغير قياس أداهم إليه ، بل ادعوا ذلك من قبل البرهان ، الذي أداهم إلى حدوث العالم ، كما لم تدع الفلاسفة رد الضرورة المعروفة في تعدد العلم والمعلوم ، إلى اتحادهما في حق الباري سبحانه إلا من قبل برهان زعموا أنه أداهم إلى ذلك في حق القديم . وأكثر من ذلك من ادعى من الفلاسفة رد الضرورة في أن الصانع يعرف ولا بد مصنوعه ، إذ قال في اللّه سبحانه : إنه لا يعرف إلا ذاته . وهذا القول إذا قوبل هو من جنس مقابلة الفاسد بالفاسد ، وذلك أن كل ما كان معروفا عرفانا يقينيا وعاما في جميع الموجودات ، فلا يوجد برهان يناقضه ، وكل ما وجد برهان يناقضه ، فإنما كان مظنونا به أنه يقين لا أنه كان يقينا في الحقيقة . فلذلك إن كان من المعروف بنفسه اليقيني تعدد العلم والمعلوم في الشاهد والغائب ، فنحن نقطع أنه لا برهان عند الفلاسفة على اتحادهما في حق الباري سبحانه . وأما إن كان القول بتعدد العلم والمعلوم ظنيا فيمكن أن يكون على اتحادهما عند الفلاسفة برهان . وكذلك إن كان من المعروف بنفسه أنه لا يتأخر مفعول الفاعل عن فعله ، ويدعي رده إلى الأشعرية من قبل أن عندهم في ذلك برهانا ، فنحن نعلم على القطع أنه ليس عندهم في ذلك برهان . وهذا أو أمثاله إذا وقع فيه الاختلاف ، فإنما يرجع الأمر فيه إلى اعتباره بالفطرة الفائقة التي لم تنشأ على رأي ولا هوى إذا سبرته بالعلامات والشروط التي فرق بها بين اليقين والمظنون في كتب المنطق . كما أنه إذا تنازع اثنان في قول ما ، فقال أحدهما : هو موزون . وقال الآخر : ليس بموزون . لم يرجع الحكم فيه إلا إلى الفطرة السليمة التي تدرك الموزون من غير الموزون ، وإلى علم العروض . وكما أن من يدرك الوزن لا يخلّ بإدراكه عند إنكار من ينكره .