ابن رشد

29

تهافت التهافت

بالفحص عنها ، وعما قاله القدماء فيها . وأخذ المسألة الواحدة بدل المسائل الكثيرة ، هو موضع مشهور من مواضيع السفسطائيين السبعة . والغلط في واحد من هذه المبادي هو سبب لغلط عظيم في إجراء الفحص عن الموجودات . قال أبو حامد : الاعتراض من وجهين : أحدهما : أن يقال : بم تنكرون على من يقول : أن العالم حدث بإرادة قديمة ، اقتضت وجوده في الوقت الذي وجد فيه ، وأن يستمر العدم إلى الغاية التي استمر إليها ، وأن يبتدئ الوجود من حيث ابتدأ . وأن الوجود قبله لم يكن مرادا فلم يحدث لذلك ، وأنه في وقته الذي حدث فيه ، مراد بالإرادة القديمة فحدث لذلك ، فما المانع لهذا الاعتقاد ؟ وما المحيل له ؟ قلت : هذا قول سفسطائي ؛ وذلك أنه لما لم يمكنه أن يقول بجواز تراخي فعل المفعول ، عن فعل الفاعل له ، وعزمه على الفعل ، إذا كان الفاعل فاعلا مختارا ، قال بجواز تراخيه عن إرادة الفاعل ، وتراخي المفعول عن إرادة الفاعل جائز ، وأما تراخيه عن فعل الفاعل له ، فغير جائز . وكذلك تراخي الفعل عن العزم على الفعل في الفاعل المريد . فالشك باق بعينه . وإنما كان يجب أن يلقاه أحد أمرين : إما بأن فعل الفعل ليس يوجب في الفاعل تغيرا ، فيجب أن يكون له مغير من خارج . أو أن من التغيرات ما يكون في ذات المتغير ، من غير حاجة إلى مغير يحلقه منه ، وأن من التغيرات ما يجوز أن يلحق القديم من غير مغير . وذلك أن الذي يتمسك به الخصوم هاهنا شيئان : أحدهما : أن فعل الفاعل يلزمه التغير ، وأن كل تغيّر فله مغير . والأصل الثاني : أن القديم لا يتغير بضرب من ضروب التغير . وهذا كله عسير البيان . والذي لا مخلص للأشعرية منه ، هو إنزال فاعل أول ، أو إنزال فعل له أول ، لأنه لا يمكنهم أن يضعوا أن حالة الفاعل من المفعول المحدث تكون في وقت الفعل ، هي بعينها حالته ، في وقت عدم الفعل . فهنالك لا بد حالة متجددة ، أو نسبة لم تكن . وذلك ضروري : إما في الفاعل ، أو في المفعول ، أو في كليهما . وإذا كان ذلك كذلك ، فتلك الحال المتجددة ، إذا أوجبنا أن لكل حال متجددة فاعلا ، لا بد أن يكون الفاعل لها : إما فاعلا آخر ، فلا يكون ذلك الفاعل هو الأول ، ولا يكون مكتفيا بفعله بنفسه بل بغيره . وإما أن يكون الفاعل