ابن رشد

30

تهافت التهافت

لتلك الحال التي هي شرط في فعله ، هو نفسه ، فلا يكون ذاك الفعل الذي فرض صادرا عنه أولا ، بل يكون فعله لتلك الحال التي هي شرط في المفعول قبل فعل المفعول . وهذا لازم ضرورة ، إلا أن يجوز مجوز أن من الأحوال الحادثة في الفاعلين ما لا يحتاج إلى محدث . وهذا بعيد إلا على من يجوز أن هاهنا أشياء تحدث من تلقائها ، وهو قول الأوائل من القدماء الذين أنكروا الفاعل ، وهو قول بيّن السقوط بنفسه . وفي هذا الاعتراض من الاختلال أن قولنا : إرادة أزلية ، وإرادة حادثة ، مقولة باشتراك الاسم ، بل متضادة . فإن الإرادة التي في الشاهد ، هي قوة فيها إمكان فعل أحد المتقابلين على السواء ؛ وإمكان قبوله لمرادين على السواء . فإن الإرادة هي شوق الفاعل إلى فعل ، إذا فعله كف الشوق ، وحصل المراد ، وهذا الشوق والفعل ، هو متعلق بالمتقابلين على السواء . فإذا قيل هنا مراد ، أحد المتقابلين فيه أزلي ، ارتفع حد الإرادة بنقل طبيعتها من الإمكان إلى الوجوب . وإذا قيل إرادة أزلية ، لم ترتفع الإرادة بحضور المراد . وإذا كانت لا أول لها ، لم يتحدد منها وقت من وقت لحصول المراد . ولا يتعين إلا أن نقول : إنه يؤدي البرهان إلى وجود فاعل بقوة ليست هي إرادية ولا طبيعية ، ولكن سماها الشرع إرادة . كما أدى البرهان إلى أشياء هي متوسطة بين أشياء يظن بها ، في بادئ الرأي أنها متقابلة ، وليست متقابلة ؛ مثل قولنا : موجود ، لا داخل العالم ، ولا خارجه . قال أبو حامد مجاوبا عن الفلاسفة : فإن قيل : هذا محال بيّن الإحالة ؛ لأن الحادث موجّب ومسبّب ، وكما يستحيل حادث بغير مسبب وموجب ، ويستحيل أيضا وجود موجب قديم بشرائط إيجابه وأسبابه وأركانه ، حتى لا يبقى شيء منتظر البتة ثم يتأخر الموجب . بل وجود الموجب عند تحقق الموجب بتمام شروطه ، ضروري ، وتأخره محال حسب استحالة وجود الحادث الموجب ، بلا موجب . فقبل وجود العالم ، كان المريد موجودا ، والإرادة موجودة ، ونسبتها إلى المراد موجودة ، ولم يتجدد مريد ، ولم تتجدد إرادة ، ولا تجدد للإرادة نسبة لم تكن قبل . فإن كل ذلك تغير ، فكيف تجدد المراد ؟ وما المانع من التجدد قبل ذلك ؟ وحال التجدد لم يتميز عن حال عدم التجدد في شيء من الأشياء ، ولا في أمر من الأمور ، ولا في حال من الأحوال ، ولا في نسبة من النسب . بل الأمور كانت بعينها ، ثم لم يكن وجود المراد ، وبقيت بعينها كما كانت ، فوجد المراد ، ما هذا إلا غاية الإحالة .