ابن رشد
229
تهافت التهافت
ومجموع هذه هو الإله . وهذا بعينه هو الذي أنكروه على من قال : إن الإله قديم بذاته ، والعالم قديم بغيره ، أي بالإله . وهم يقولون : إن القديم واحد وهذا كله في غاية التناقض . وأما قوله : « إن إنزالنا موجودا لا موجد له هو مثل إنزالنا مركبا لا مركب له ، وإنزالنا موجودا واحدا بهذه الصفة أو كثيرين مما لا يستحيل في تقدير العقل » . هو كله كلام مختل . فإن التركيب لا يقتضي مركبا هو أيضا مركب ، فيفضي الأمر إلى مركب من ذاته ، كما أن العلة إن كانت معلولة فإنه يفضي الأمر إلى علة غير معلولة ، ولا أيضا إذا أدى البرهان إلى موجود لا موجد له أمكن أن يبرهن من هذا أنه واحد . وأما قوله : « أنه متى انتفت الماهية انتفى التركيب وأن ذلك موجب لإثبات التركيب في الأول » ، فغير صحيح . فإن القوم لا ينفون الماهية عن الأول ، وإنما ينفون أن يكون هنا لك ماهية على نحو الماهية التي في المعلولات . وهذا كله كلام جدلي مماري . وقد تقدم من قولنا : الأقاويل المقنعة التي تقال في هذا الكتاب على أصول الفلاسفة في بيان أن الأول ليس بجسم ، وهي أن الممكن يؤدي إلى موجود ضروري ، وأنه لا يصدر الممكن عن الضروري إلا بوساطة موجود هو من جهة ضروري ومن جهة ممكن ، وهو الجرم السماوي وحركته الدورية . ومن أقنع ما يقال على أصولهم أن كل جسم فقوته متناهية ، وأن هذا الجسم إنما استفاد القوة الغير متناهية الحركة من موجود ليس بجسم . قال أبو حامد مجيبا عن الاعتراض الذي أوجب ألا يكون الفاعل عند الفلاسفة إلا الفلك الذي هو مركب من نفس وبدن . فإن قيل : لأن الجسم من حيث أنه جسم لا يخلق غيره والنفس المتعلقة بالجسم لا تفعل إلا بواسطة الجسم ، ولا يكون الجسم واسطة للنفس في خلق الأجسام ولا في إبداع النفوس وأشياء لا تناسب الأجسام . قلنا : ولم لا يجوز أن يكون في النفوس نفس تختص بخاصية تتهيأ بها أن توجد الأجسام وغير الأجسام منها . فاستحالة ذلك لا يعرف ضرورة ولا برهان يدل عليه إلا أنه لم يشاهد من هذه الأجسام المشاهدة ، وعدم المشاهدة لا يدل على الاستحالة . فقد أضافوا إلى الموجود الأول ما لا يضاف إلى موجود أصلا ولم يشاهد من غيره ، وعدم المشاهدة من