ابن رشد

230

تهافت التهافت

غيره لا يدل على الاستحالة منه . وكذا في نفس الجسم والجسم . قلت : أما القول بأن الأجسام لا تخلق الأجسام فإنه إذا فهم من التخليق التكوين كان الأمر الصادق بالضد ، وذلك أنه لا يتكون جسم فيما يشاهد إلا عن جسم ، ولا جسم متنفس إلا عن جسم متنفس . فإنه لا يتكون الجسم المطلق ، ولو تكون الجسم المطلق لكان التكون من عدم لا بعد العدم ، وإنما تتكون الأجسام المشار إليها من أجسام مشار إليها ، وعن أجسام مشار إليها ، وذلك بأن ينتقل الجسم من اسم إلى اسم ومن حد إلى حد فيتغير جسم الماء مثلا إلى جسم النار . بأن ينتقل من جسم الماء الصفة التي بانتقالها انتقل عنه اسم الماء وحده ، إلى اسم النار وحدها . وذلك يكون ضرورة من جسم فاعل : أما مشاركة للمتكون بالنوع ، وأما بالجنس المقول بتواطؤ ، أو بتقديم وتأخير . وأما هل ينتقل شخص الجسيمة المخصوصة بالماء إلى شخص الجسمية المخصوصة بالنار ، فيه نظر . وأما قوله : « ولا يكون الجسم واسطة للنفس في خلق الأجسام ولا في إبداع النفوس » . فهو قول بني من آراء الفلاسفة على رأي من يرى أن المعطي لصور الأجسام التي ليست متنفسة ، وللنفوس ، هو جوهر مفارق : إما عقل ، وإما نفس مفارقة ، وأنه ليس يمكن أن يعطي ذلك جسم متنفس ولا غير متنفس ، فإنه إذا وضع هذا ووضع أن السماء جسم متنفس لم يمكن فيها أن تعطي صورة من هذه الصور الكائنة الفاسدة لا نفسا ، ولا غيرها . فإن النفس التي في الجسم إنما تفعل بوساطة الجسم ، وما فعل بوساطة الجسم فليس توجد عنه لا صورة ولا نفس إذ كان ليس من شأن الجسم أن يفعل صورة جوهرية ، لا نفسا ، ولا غيرها ، وهو شبيه بقول أفلاطون في الصور المجردة من المادة ، التي يقول بها . وهذا هو مذهب ابن سينا وغيره من فلاسفة الإسلام . وحجتهم أن الجسم إنما يفعل في الجسم حرارة أو برودة أو رطوبة أو يبوسة ، وهذه هي أفعال الأجسام السماوية عندهم فقط . وأما الذي يفعل الصور الجوهرية وبخاصة المتنفسة فهو موجود مفارق ، وهو الذي يسمونه واهب الصور . وقوم من الفلاسفة يرون عكس هذا ويقولون : إن الذي يفعل الصور في الأجسام هي أجسام ذوات صور مثلها :