ابن رشد
225
تهافت التهافت
فإن نفي الماهية نفي للحقيقة وإذا انتفت حقيقة الموجود لم يعقل الموجود فكأنهم قالوا وجود ولا موجود وهو متناقض . ويدل عليه أنه لو كان هذا معقولا لجاز أن يكون في المعلولات وجود لا حقيقة له يشارك الأول في كونه لا حقيقة ولا ماهية له ، ويباينه في أن له علة والأول لا علة له ، فلم لا يتصوّر هذا في المعلولات وهل له سبب إلا أنه غير معقول في نفسه وما لا يعقل في نفسه فبأن تنفى علته لا يصير معقولا وما يعقل فبأن تقدر له علة لا يخرج عن كونه معقولا . والتناهي إلى هذا الحد غاية ظلماتهم فقد ظنوا أنهم يبرهنون فيما يقولون . فانتهى كلامهم إلى النفي المجرد ، فإن نفى الماهية نفى الحقيقة ، ولا يبقى مع نفي الحقيقة إلا لفظ الوجود ولا مسمى له أصلا إذا لم يضف إلى ماهية . فإن قيل : حقيقته أنه واجب وهو الماهية . قلنا : ولا معنى للواجب إلا نفي العلة وهو سلب لا يتقوم به حقيقة ذات ونفي العلة عن الحقيقة لازم الحقيقة فلتكن الحقيقة معقولة حتى توصف بأنها لا علة لها ولا يتصور عدمها إذ لا معنى للوجوب إلا هطا . على أن الوجوب إن زاد على الوجود فقد جاءت الكثرة وإن لم يزد فكيف يكون هو الماهية والوجود ليس بماهية فكذلك ما لا يزيد عليه . قلت : هذا الفصل كله مغلط سفسطاني . فإن القوم لم يضعوا للأول وجودا بلا ماهية بلا وجود ، وإنما اعتقدوا أن الوجود في المركب صفة زائدة على ذاته ، وأن هذه الصفة إنما استفادها من الفاعل ، واعتقدوا فيما هو بسيط لا فاعل له أن هذه الصفة فيه ليست زائدة على الماهية ، وأنه ليس ماهية مغايرة للوجود لا أنه لا ماهية له أصلا كما بنى هو كلامه عليه في معاندتهم . ولما وضع أنهم يرفعون الماهية وهو كذب أخذ يشنع عليهم . فقال : هذا لو كان معقولا لجاز أن يكون في المعلولات موجود لا حقيقة له يشارك الأول في كونه لا حقيقة له . فإن القوم لم يضعوا موجودا لا ماهية له بإطلاق ، وإنما وضعوا لا ماهية له بصفات ماهيات سائر الموجودات ، وهذا الموضع هو من مواضع السفسطة ، لأن اسم الماهية مشترك . فهذا الوضع وكل مركب على هذا كلام سفسطاني ، وذلك أن المعدوم لا يتصف بنفي شيء عنه أو بإيجابه . فهذا الرجل في أمثال هذه المواضع في هذا الكتاب لا يخلو من الشرارة أو الجهل ، وهو أقرب إلى الشرارة منه إلى الجهل أو نقول : إن هنالك ضرورة داعية إلى ذلك .