ابن رشد
219
تهافت التهافت
يفضي إلى المبدأ الأول كما ظن ابن سينا ولا أنه واحد ولا بد . المسلك الثاني : الإلزام : وهو أنا نقول : إن لم يكن الوجود والجوهرية والمبدئية جنسا لأنه ليس مقولا في جواب ما هو ؟ فالأول عندكم عقل مجرد ، كما أن سائر العقول التي هي المبادي للوجود المسماة بالملائكة عندهم التي هي معلولات الأول عقول مجردة عن المواد ، فهذه الحقيقة تشمل الأول ومعلوله الأول ، فإن الموجود الأول أيضا بسيط لا تركيب في ذاته إلا من حيث لوازمه وهما مشتركان في أن كل واحد عقل مجرد عن المادة . هذه حقيقة جنسية فليس العقلية المجردة للذات من اللوازم ، بل هي الماهية ، وهذه الماهية مشتركة بين الأول وسائر العقول فإن لم يباينها شيء آخر فقد عقلتم الاثنينية من غير مباينة وإن باينها فما به المباينة غير ما به المشاركة والعقلية والمشاركة فيها مشاركة في الحقيقة ، فإن الأول عقل نفسه وعقل غيره عند من يرى ذلك من حيث أنه في ذاته عقل مجرد عن المادة ، وكذا المعلول الأول وهو العقل الأول الذي أبدعه اللّه تعالى من غير واسطة مشارك في هذا المعنى ، والدليل عليه أن العقول التي هي معلولات أنواع مختلفة وإنما اشتراكها في العقلية وافتراقها بفصول سوى ذلك وكذلك الأول يشارك جميعها في العقلية فهم فيه بين نقض القاعدة والمصير إلى أن العقلية ليست مقوّمة للذات ، وكلاهما محال عندهم . قلت : أما أنت إن كنت فهمت ما قلناه قبل هذا من أن هاهنا أشياء يعمها اسم واحد لا عموم الأسماء المتواطئة ولا عموم الأسماء المشتركة بل عموم الأسماء المنسوبة إلى شيء واحد المشككة ، وأن خاصة هذه الأشياء أن ترتقي إلى أول في ذلك الجنس هو العلة الأولى لجميع ما ينطلق عليه ذلك الاسم ، مثل اسم الحرارة المقولة على النار وعلى سائر الأشياء الحارة ، ومثل اسم الموجود المقول على الجوهر وعلى سائر الأعراض ، ومثل اسم الحركة المقول على الحركة في الموضع وعلى سائر الحركات ، فليست تحتاج إلى توقيف على الخلل الداخل في هذا القول . وذلك أن اسم العقل يقال : على العقول المفارقة عند القوم بتقديم وتأخير ، وأن فيها عقلا أولا هو العلة في سائرها . وكذلك الأمر في الجوهر والدليل على أن ليس لها طبيعة واحدة مشتركة ، أن بعضها علة لبعض ، وما هو علة لشيء فهو متقدم على المعلول ، وليس يمكن أن تكون طبيعة العلة والمعلول واحدة بالجنس إلا في العلل الشخصية ، وهذا النوع من المشاركة هو مناقض للمشاركة الجنسية الحقيقية . فإن الأشياء المشتركة في الجنس ليس فيها أول هو العلة في سائرها ، بل هي كلها في مرتبة واحدة ، ولا يوجد فيها شيء