ابن رشد
214
تهافت التهافت
الشيء الذي هو بالفعل . ولذلك إن ألفي هاهنا قابل بالفعل ومقبول بالفعل فكلاهما قائم بذاته ، لكن القابل هو جسم ضرورة ، فإن القبول إنما يوجد أولا للجسم أو لما هو في جسم ، فإن الأعراض لا توصف بالقبول ولا الصور ولا السطح ولا الخط ولا النقطة ولا بالجملة ما لا ينقسم . وأما فاعل ليس بجسم ، فقد قام عليه البرهان . وأما قابل ليس بجسم ولا في جسم فمستحيل . إلا ما تشككوا فيه من أمر العقل الذي بالقوة ، فإنه إذا كان المركب من صفة وموصوف ليست زائدة على الذات كان كائنا فاسدا وكان جسما ضرورة ، وإن كان مركبا من موصوف وصفة زائدة على الذات من غير أن يكون فيه قوة في الجوهر ولا قوة على تلك الصفة مثل ما يقول القدماء في الجرم السماوي لزم ضرورة أن يكون ذا كمية وأن يكون جسما لأنه إن ارتفعت الجسمية عن تلك الذات الحاملة للصفة ارتفع عنها أن تكون قابلة محسوسة ، وكذلك يرتفع إدراك الحس عن تلك الصفة فيعود الصفة والموصوف كلاهما عقلا ، فيرجعان إلى معنى واحد بسيط ، لأن العقل والمعقول قد ظهر من أمر هما أنهما معنى واحد إذ كان التكثر فيهما بالعرض ؛ أعني من جهة الموضوع . وبالجملة فوضع القوم ذاتا وصفات زائدة على الذات ليس شيئا أكثر من وضعهم جسما قديما وأعراضا محمولة فيه ، وهم لا يشعرون لأنهم إذا رفعوا الكمية التي هي الجسمية ارتفع أن يكون في نفسه معنى محسوسا ، فلم يكن هنالك لا حامل ولا محمول . فإن جعلوا الحامل والمحمول مفارقين للمادة والجسم لزم أن يكون عاقلا ومعقولا ، وذلك هو الواحد البسيط الحق . وقوله : إن تغليطهم كله إنما هو من باب تسميتهم إياه واجب الوجود وأنه إذا استعمل بدل ذلك ما ليس له علة لم يلزم الأول ما ألزموه من الصفات الواجبة لواجب الوجود ليس بصحيح ، لأنه إذا وضع موجود ليس له علة وجب أن يكون واجب الوجود بنفسه كما أنه إذا وضع موجود واجب الوجود بنفسه وجب ألا يكون له علة ، وإذا لم يكن له علة فأحرى أن لا ينقسم إلى شيئين : علة ومعلول . ووضع المتكلمين الأول مركبا من صفة وموصوف يقتضي أن يكون له علة فاعلة ، فلا يكون علة أولى ولا واجب الوجود ، وهو ضد ما وضعوه من كونه من الموجودات التي ترجع الصفة والموصوف فيها إلى معنى واحد بسيط ، فلا معنى لتكرار هذا والإطالة فيه .