ابن رشد
215
تهافت التهافت
وأما ما قاله من أن الأول سبحانه إن لم يستحل في حقه أن يكون مركبا من موصوف وصفة زائدة على الموصوف فهو أحرى أن لا يستحيل أن يكون مركبا من موصوف وصفة هي عين الموصوف ، فقد قلنا : على أي جهة يستحيل وعلى أي جهة لا يستحيل ، وهو كونهما مفارقين للمواد . وأما قوله : إن برهانهم على نفي الاثنينية ليس بمانع أن يكون هاهنا إلهان : أحدهما هو علة السماء مثلا والآخر هو علة الأرض ، أو أحدهما علة المعقول ، والآخر علة المحسوس من الأجسام ، ويكون بينهما مباينة ومفارقة لا تقتضي تضادا ، مثل المباينة التي توجد بين الحمرة والحرارة فإنها توجد في محل واحد ، فقول ليس بصحيح . لأنه إذا فرض اختراع الموجود وابتداعه لطبيعة واحدة وذات واحدة لا لطبائع مختلفة لزم ضرورة متى وضع شيء من تلك الطبيعة مساويا في الطبع والعقل للطبيعة الأولى أن يكونا مشتركين في وصف ، متباينين في وصف ، والذي يتباينان به لا يخلو أن يكون من نوع تباين الأشخاص أو من نوع تباين الأنواع . فإن كان من نوع تباين الأنواع قيل عليهما اسم الإله باشتراك الاسم ، وذلك خلاف ما وضع . لأن الأنواع المشتركة في جنس واحد هي إما أضداد وإما ما بين الأضداد ، وهذا كله مستحيل وإن كان تباينهما بالشخص فكلاهما في مادة ، وذلك خلاف ما اتفق عليه ، وأما إن وضع أن تلك الطبيعة بعضها أشرف من بعض ، وإنها مقولة عليها بتقديم وتأخير ، فالطبيعة الأولى أشرف من الثانية ، والثانية معلولة عنها ضرورة حتى يكون مثلا مبتدع السماوات هو المبتدع للعلة التي ابتدعت الاسطقسات ، وهذا هو وضع الفلاسفة . وكلا الوضعين يرجع إلى وضع علة أولى ؛ أعني من يضع أن الأول يفعل بوسائط علل كثيرة ، أو يضع أن الأول علة بنفسه لجميع الأشياء المختلفة بغير واسطة لكن هذا لا يجوز عند الفلاسفة ، لأن من المعلوم بنفسه أن العوالم قامت من علة ومعلول ، فإن البحث عن هذه العلل هو الذي أفضى بنا إلى علة أولى لجميعها ، ولو كانت هذه المبادي المختلفة بعضها مطلقا من بعض ؛ أعني ليس بعضها عللا لبعض لما كان من العالم شيء واحد ومرتبط ، وهذا المعنى هو الذي دل على إبطاله قوله سبحانه : لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا . قال أبو حامد : فإن قيل : إنما يستحيل هذا من حيث أن ما به المباينة بين الذاتين إن كانا شرطا في وجوب الوجود فينبغي أن يوجد لكل واجب وجود فلا يتباينان ، وإن لم يكن