ابن رشد

209

تهافت التهافت

المسألة السابعة في إبطال قولهم : إن الأول لا يجوز أن يشارك غيره في جنس ويفارقه بفصل وإنه لا يتطرق إليه انقسام في حق العقل بالجنس والفصل قال أبو حامد : وقد اتفقوا على هذا وبنوا عليه أنه إذا لم يشارك غيره بمعنى جنسي لم ينفصل عنه بمعنى فصلي فلم يكن له حد إذ الحد ينتظم من الجنس والفصل وما لا تركيب فيه فلا حد له ، وهذا نوع من التركيب . وزعموا أن قول القائل أنه يساوي المعلول الأول في كونه موجودا وجوهرا وعلة لغيره ويباينه بشيء آخر لا محالة فليس هذا مشاركة في الجنس بل هي مشاركة في لازم عام . وفرق بين الجنس واللازم في الحقيقة وإن لم يفترقا في العموم على ما عرف في المنطق فإن الجنس هو الذاتي العام المقول في جواب ما هو ويدخل في ماهية الشيء المحدود ويكون مقوما لذاته فكون الإنسان حيا داخل في ماهية الإنسان أعني الحيوانية فكان جنسا وكونه مولودا ومخلوقا لازم لا يفارقه قط ولكنه ليس داخلا في الماهية وإن كان لازما عاما ويعرف ذلك في المنطق معرفة لا يتمارى فيها . وزعموا أن الوجود لا يدخل قط في ماهية الأشياء ، بل هو مضاف إلى الماهية أما لازما لا يفارق كالسماء ، أو واردا بعد أن لم يكن كالأشياء الحادثة فالمشاركة في الوجود ليست بمشاركة في الجنس . وأما مشاركته في كونه علة لغيره كسائر العلل فهي مشاركة في إضافة لازمة لا تدخل أيضا في الماهية ، فإن المبدئية والوجود لا يقوّم واحد منهما الذات ، بل يلزمان الذات بعد تقوم الذات بأجزاء ماهيتها ، فليس المشاركة فيه إلا مشاركة في لازم عام يتبع الذات لزومه لا في جنس ، ولذلك لا تحد الأشياء إلا بالمقومات ، وإن حدث باللوازم كان ذلك رسما للتمييز لا لتصوير حقيقة الشيء . فلا يقال في حد المثلث : أنه الذي تساوي زواياه القائمتين ، وإن كان ذلك لازما عاما لكل مثلث بل يقال : إنه شكل تحيط به ثلاثة أضلاع . وكذلك المشاركة في كونه جوهرا فإن معنى كونه جوهرا أنه موجود لا في موضوع ، والموجود ليس بجنس فبأن يضاف إليه أمر سلبي وهو أنه لا في موضوع فلا يصير جنسا مقوما ، بل لو أضيف إليه إيجابه وقيل : موجود في موضوع لم يصر جنسا في العرض ، وهذا لأن من عرف الجوهر بحده الذي هو كالرسم له وهو أنه موجود لا في موضوع ، فليس يعرف كونه موجودا فضلا من أن يعرف أنه في موضوع أولا في موضوع ، بل معنى قولنا في رسم الجوهر أنه الموجود لا في موضوع