ابن رشد

210

تهافت التهافت

أي أنه حقيقة ما إذا وجد وجد لا في موضوع ولسنا نعني به أنه موجود بالفعل حالة التحديد ، فليس المشاركة فيه مشاركة في جنس بل المشاركة في مقومات الماهية هي المشاركة في الجنس المحوج إلى المباينة بعده بالفصل ، وليس للأول ماهية سوى الوجود الواجب ، فالوجود الواجب طبيعة حقيقية وماهية في نفسه هو له لا لغيره ، وإذا لم يكن وجوب الوجود إلا له لم يشارك غيره فلم ينفصل عنه بفصل نوعي فلم يكن له حد . قال أبو حامد : فهذا تفهيم مذهبهم . والكلام عليه من وجهين . قلت : هذا منتهى ما حكاه عن الفلاسفة في هذا القول ، وفيه حق وفيه باطل . أما قولهم : إن الأول لا يجوز أن يشارك غيره في جنس ويفارقه بفصل فإن كان أراد بالجنس المقول بتواطؤ فهو حق . وكذلك الفصل المقول بتواطؤ ، لأن كل ما هذا صفته فهو مركب من صورة عامة وخاصة ، وهذا هو الذي يوجد له الحد ، وأما إن عني بالجنس المقول بتشكيك ؛ أعني بتقديم وتأخير ، فقد يكون له جنس هو الموجود مثلا أو الشيء أو الهوية أو الذات ، وقد يكون له حد من هذا النوع من الحدود ، فإن أمثال هذه الحدود مستعملة في العلوم مثل ما قيل في حد النفس : إنها استكمال لجسم طبيعي آلي . ومثل ما قيل في حد الجوهر : إنه الموجود لا في موضوع ، لكن ليس تكفي هذه الحدود في معرفة الشيء ، وإنما يؤتى بها ليتطرق من ذلك إلى كل واحد مما يدخل تحت أمثال الحدود هذه وإلى تصوره بما يخصه . وأما حكايته عن الفلاسفة أن اسم الموجود إنما يدل من ذوات الأشياء على لازم عام لها فهو قول باطل ، وقد بيناه في غير ما موضع ، وما قاله أحد منهم إلا ابن سينا فقط ، وذلك أنه لما انتفى عنده أن يكون جنسا مقولا بتواطؤ ، وانتفى أيضا أن يكون اسما مشتركا ، زعم أنه اسم يدل على لازم عام للأشياء ، وما قاله في الذات يلزمه في اللازم ، ولو كان لازما لم يقل في جواب ما هو ؟ وأيضا إن كان يدل على لازم للأشياء فهو يدل على ذلك اللازم بتواطؤ ، أو باشتراك ، أو بلزوم آخر ؟ فإن كان يدل بتواطؤ ، فكيف يوجد عرض مقول بتواطؤ على أمور مختلفة الذوات ؟ وأظن ابن سينا أنه يسلم هذا ، وهو مستحيل لأنه لا يكون عن الأشياء المختلفة شيء هو متفق وواحد إلا من جهة ما تلك الأشياء المختلفة متفقة في طبيعة واحدة ، إذ يلزم ضرورة أن يكون اللازم الواحد عن طبيعة واحدة كما يكون العقل الواحد صادر أيضا عن طبيعة واحدة . وإذا كان ذلك مستحيلا