ابن رشد
204
تهافت التهافت
تعدى الشرير الجاهل فسقى السم من هو في حقه سم على أنه غذاء فقد ينبغي على الطبيب أن يجتهد بصناعته في شفائه ، ولذلك استجزنا نحن التكلم في هذه المسألة في مثل هذا الكتاب وإلا فما كنا نرى أن ذلك يجوز لنا ، بل هو من أكبر المعاصي ، أو من أكبر الفساد في الأرض ، وعقاب المفسدين معلوم بالشريعة . وإذا لم يكن بد من الكلام في هذه المسألة فليقل في ذلك بحسب ما تبلغه قوة الكلام في هذا الموضع عند من لم يتقدم فيرتاض بالأشياء التي يجب بها الارتياض قبل النظر في هذه المسألة . فنقول : إن القوم لما نظروا إلى جميع المدركات وجدوا أنها صنفان : صنف مدرك بالحواس ، وهي أجسام قائمة بذاتها مشار إليها ، وأعراض مشاور إليها في تلك الأجسام . وصف مدرك بالعقل وهي ماهيات تلك الأمور المحسوسة وطبائعها ؛ أعني الجواهر والأعراض . ووجدوا التي لها ماهيات بالحقيقة فيها هي الأجسام ؛ وأعني بالماهيات للأجسام صفات موجودة فيها بها صارت تلك الأجسام موجودة بالفعل ومخصوصة بصدور فعل من الأفعال يصدر عنها . وخالفت هذه الصفات الأعراض عندهم بأن وجدوا الأعراض أمورا زائدة على الذات المشار إليها القائمة بنفسها محتاجة إلى الذوات القائمة بها والذوات غير محتاجة في قوامها إليها ؛ أعني إلى الأعراض . ووجدوا هذه الصفات التي ليست بأعراض غير زائدة على الذات ، بل هي نفس حقيقة الذات المشار إليها القائمة بنفسها ، حتى متى توهم ارتفاع تلك الصفات ارتفعت الذات ، ووقفوا على هذه الصفات في الموجودات المشار إليها ؛ أعني الأجسام من قبل أفعال جسم جسم من تلك الأجسام الخاصة بها ؛ مثال ذلك أنهم أدركوا الصفات التي بها صار النبات نباتا من قبل فعله الخاص به ، والصفات التي بها صار الحيوان حيوانا من قبل أفعال الحيوان الخاصة به ، وكذلك أدركوا أن في الجمادات صورا بهذه الصفة تخصها من قبل أفعال الجمادات الخاصة بها . ثم لما نظروا في هذه الصفات علموا أنها في محل من تلك الذات وتميز لهم ذلك المحل بانقلاب الموجودات المشار إليها من نوع إلى نوع ومن جنس إلى جنس بانقلاب تلك الصفات وتغيرها ؛ مثال ذلك انقلاب طبيعة النار إلى الهواء بزوال الصفة التي عنها يصدر فعل النار وهي التي بها سميت النار نارا إلى الصفة التي عنها يصدر فعل الهواء الخاص به وهي التي سمي بها الهواء هواء ، واستدلوا أيضا