ابن رشد
205
تهافت التهافت
على وجود هذا المحل بكون الذات المشار إليها تنفعل عن غيرها كما استدلوا بالفعل على الصورة ، وذلك أنه لم يمكن أن يتوهم أن الفعل والانفعال هما عن شيء هو طبيعة واحدة ، فاعتقدوا من أجل هذا أن جميع الأجسام الفاعلة المنفعلة مركبة من طبيعتين : فاعلة ومنفعلة فسموا الفاعلة صورة وماهية وجوهرا ، وسموا المنفعلة موضوعا وعنصرا ومادة . وظهر لهم من هذا أن هذه الأجسام المحسوسة ليست أجساما بسيطة على ما يظهر للحس ، ولا مركبة من أجسام بسيطة إذ كان كل جسم له فعل وانفعال ورأوا أن الذي يدلك الحس من هذه هي الأجسام المشار إليها المركبة من هذين الشيئين اللذين سموا أحدهما صورة ، والآخر مادة ، وأن الذي يدرك العقل من هذه هي هذه الصور . وإنها إنما تصير معقولات وعقلا إذا جردها العقل من الأمور القائمة بها : أعني الذي سموه موضوعا ومادة . ووجدوا الأعراض تنقسم في العقل إلى مثل هاتين الطبيعتين ، وأن كان الموضوع لها بالحقيقة ؛ أعني المحل الذي تقوم به هي الأجسام المركبة من ذينك المعنيين . فلما تميزت لهم الأمور المعقولة من الأمور المحسوسة ، وتبين لهم أن يفي المحسوسات طبيعتين : إحداهما قوة ، والأخرى فعل ، نظروا أي الطبيعتين هي المتقدمة للأخرى ، فوجدوا أن الفعل متقدم على القوة لكون الفاعل متقدما على المفعول . ونظروا في العلل والمعلولات أيضا فأفضى بهم الأمر إلى علة أولى هي بالفعل السبب الأول لجميع العلل . فلزم أن يكون فعلا محضا وألا يكون فيها قوة أصلا ، لأنه لو كان فيها قوة لكانت معلولة من جهة وعلة من جهة فلم تكن أولى . ولما كان كل مركب من صفة وموصوف فيه قوة وفعل ، وجب عندهم ألا يكون الأول مركبا من صفة وموصوف . ولما كان كل بريء من القوة عندهم عقلا وجب أن يكون الأول عندهم عقلا . فهذه هي طريقة القوم مجمله . فإن كنت من أهل الفطرة المعدة لقبول العلوم وكنت من أهل الثبات وأهل الفراغ ففرضك أن تنظر في كتب القوم وعلومهم لتقف على ما في كتبهم من حق أو ضده ، وإن كنت ممن نقصك واحد من هذه الثلاث فعرضتك أن تفرغ في ذلك إلى ظاهر الشرع ولا تنظر إلى هذه العقائد المحدثة في الإسلام ، فإنك إن كنت من أهلها لم تكن من أهل اليقين ولا من أهل الشرع .