ابن رشد
195
تهافت التهافت
والمدرك ، وأما العقل الذي فينا فإدراكه ذات الشيء غير إدراكه أنه مبدأ للشيء ، وكذلك إدراكه غيره غير إدراكه ذاته بوجه ما . ولكن فيه شبه من ذلك العقل ، وذلك العقل هو الذي أفاده ذلك الشبه وذلك أن المعقولات التي في ذلك العقل برية من النقائص التي لحقتها في هذا العقل منا ، مثال ذلك : إن العقل إنما صار هو المعقول من جهة ما هو معقول لأن هاهنا عقلا هو المعقول من جميع الجهات ، وذلك أن كل ما وجدت فيه صفة ناقصة فهي موجودة له ضرورة من قبل موجود فيه تلك الصفة كاملة ، مثال ذلك : إن ما وجدت فيه حرارة ناقصة فهي موجودة له من قبل شيء هو حار بحرارة كاملة ، وكذلك ما وجد حيا بحياة ناقصة فهي موجودة له من قبل حي بحياة كاملة ، وكذلك ما وجد عاقلا بعقل ناقص فهو موجود له من قبل شيء هو عقل بعقل كامل ، وكذلك كل ما وجد له فعل عقلي كامل فهو موجود له من قبل عقل كامل ، فإن كانت أفعال جميع الموجودات أفعالا عقلية كاملة حكمية وليست ذوات عقول ، فهنا عقل من قبله صارت أفعال الموجودات أفعالا عقلية . ومن لم يفهم هذا المعنى من ضعفاء الحكماء هو الذي يطلب هل المبدأ الأول يعقل ذاته أو يعقل شيئا خارجا عن ذاته ؟ فإن وضع أنه يعقل شيئا خارجا عن ذاته لزمه أن يستكمل بغيره ، وإن وضع أنه لا يعقل شيئا خارجا عن ذاته لزم أن يكون جاهلا بالموجودات ، والعجب من هؤلاء القوم أنهم نزهوا الصفات الموجودة في الباري سبحانه وفي المخلوقات عن النقائص التي لحقتها في المخلوقات ، وجعلوا العقل الذي فينا شبيها بالعقل الذي فيه وهو أحق شيء بالتنزيه . وهذا كاف في هذا الباب ولكن على كل حال فلنذكر باقي كلام هذا الرجل في هذا الفصل ، وننبه على الغلط اللاحق فيه . الوجه الثاني : قال أبو حامد : هو أن قولهم : إن الكل معلوم له بالقصد الثاني كلام غير معقول فإنه مهما كان علمه محيطا بغيره كما يحيط بذاته كان له معلومان متغايران وكان له علم بهما وتعدد المعلوم وتغايره يوجب تعدد العلم إذ يقبل أحد المعلومين الفصل عن الآخر في الوهم فلا يكون العلم بأحد هما عين العلم بالآخر ، إذ لو كان لتعذر تقدير وجود أحدهما دون الآخر ، وليس ثم آخر مهما كان الكل واحدا فهذا لا يختلف بأن يعبّر عنه بالقصد الثاني . ثم ليت شعري ، كيف يقدم على نفي الكثرة من يقول أنه لا يغرب عن علمه مثقال