ابن رشد
196
تهافت التهافت
ذرة في السماوات ولا في الأرض ، إلا أنه يعرف الكل بنوع كلي ، والكليات المعلومة له لا تتناهى فيكون العلم المتعلق بها مع كثرتها وتغايرها واحدا من كل وجه . قلت : تحصيل الكلام هاهنا في سؤالين : أحدهما كيف صار علمه بذاته هو علمه بغيره ؟ وقد تقدم الجواب على ذلك ، وأنه يوجد في عقل الإنسان من هذا معنى ما هو الذي أوقفنا على وجوب وجوده في العقل الأول . والسؤال الثاني هو : هل يتكثر علمه بتكثر المعلومات فإنه يحيط بجميع المعلومات المتناهية وغير المتناهية على الوجه الذي يمكن أن يحيط علمه بغير المتناهي ؟ والجواب عن هذا السؤال : إنه ليس يمتنع في العلم الأول أن يوجد فيه مع الاتحاد تفصيل بالمعلومات ، فإنه لم يمتنع عند الفلاسفة أن يكون يعلم غيره وذاته علما مفترقا من جهة أن يكون هنالك علوم كثيرة ، وإنما امتنع عند هم أن العقل مستكمل بالمعقول ومعلول عنه ، فلو عقل غيره على جهة ما نعقله نحن لكان عقله معلولا عن الموجود المعقول لا علة له ، وقد قام البرهان على أنه علة للموجود . والكثرة التي نفى الفلاسفة هو أن يكون عالما لا بنفسه بل بعلم زائد على ذاته ، وليس يلزم من نفي هذه الكثرة عنه سبحانه نفي كثرة المعلومات إلا على طريقة الجدل ، فنقله السؤال من الكثرة التي في العلم عندهم إلى الكثرة التي في المعلومات نفسها فعل من أفعال السفسطانيين ، لأنه أوهم أنهم كما ينفون تلك الكثرة التي هي من حامل ومحمول كذلك ينفون الكثرة التي هي في العلم من قبل المعلومات . لكن الحق في ذلك أنه ليس تعدد المعلومات في العلم الأزلي كتعددها في العلم الإنسان ، وذلك أنه يلحقها في العلم الإنساني تعدد من وجهين : أحدهما من جهة الخيالات ، وهذا يشبه التعدد المكاني ، والتعدد الثاني ، تعددها في أنفسها في العقل منا ؛ أعني التعدد الذي يلحق الجنس الأول ، كأنك قلت : الموجود بانقسامه إلى جميع الأنواع الداخلة تحته ، فإن العقل منا هو واحد من جهة الأمر الكلي المحيط بجميع الأنواع الموجودة في العالم ، وهو يتعدد بتعدد الأنواع . وهو بيّن أنه إذا نزهنا العلم الأزلي عن معنى الكلي أنه يرتفع هذا التعدد ويبقى هنالك تعدد ليس شأن العقل منا إدراكه إلا لو كان العلم منا هو هو بعينه ذلك العلم الأزلي وذلك مستحيل ، ولذلك أصدق ما قال القوم