ابن رشد
19
تهافت التهافت
المتكلمين والمشائين في الإسلام ، إذ انطلقوا من الفعل وبينوا أن للفعل فاعلا ، ونظروا في الموجودات لأجل معرفة الموجد والمكون لها . فالمعرفة التي دعا إليها ابن رشد هي معرفة تصاعدية تبدأ بالمحسوس وتنطلق إلى إثبات موجود ليس بمحسوس هو علة للموجود المحسوس . ويشرح هذه الطريقة بتقسيم المدركات إلى مدركات بالحواس وهي الأجسام المشار إليها ، والمدركات بالعقل وهي ماهيات الأمور المحسوسة . ويبين أن المدرك بالعقل هو الصورة التي جردت من المادة . وقد أدرك الفلاسفة أن الأمور المحسوسة مؤلفة من طبيعتين القوة والفعل ، وبحثوا في أيهما المتقدم على الآخر ، فوجدوا أن الفعل متقدم على القوة ، الأمر الذي أوصلهم إلى القول أنه لا بد أن يكون هناك علة أولى هي الفعل ، وتكون السبب الأول لجميع العلل . ويرى ابن رشد أن فلسفة التبيان التصاعدية هذه أقرب إلى اليقين في إثبات فاعل أول بسيط « 1 » . ولم ينحصر الخلاف بين ابن رشد والفلاسفة الإسلاميين في المنهجية فقط . بل أدى هذا الخلاف بابن رشد إلى تغليط الفارابي وابن سينا في كثير من الآراء التي تعتبر بمنزلة الأساس في تفلسفهما . يعترض ابن رشد على ابن سينا في تقسيمه الوجود إلى ممكن الوجود وواجب الوجود . ويتهم ابن سينا بأنه أول من استنبط عبارة ممكن الوجود في قوله : أن العالم ممكن الوجود بذاته واجب بغيره « 2 » . فيميز ابن رشد بين إمكانين : الممكن الحقيقي ، والممكن كمعنى ذهني . وينتقد ابن سينا فيقول : « وأما الممكن الذي قسم إليه ابن سينا الموجود فليس معنى خارج النفس بالفعل ، وهو عبارة ردية . وذلك لأن الموجود الذي له علة في وجوده ليس له مفهوم من ذاته إلا العدم ، أي أن كل ما هو موجود من غيره فليس له من ذاته إلا العدم ، إلا أن تكون طبيعته طبيعة الممكن الحقيقي ، ولذلك كانت قسمة الموجود إلى واجب الوجود ، وممكن الوجود قسمة غير معروفة إذا لم يرد بالممكن الممكن الحقيقي » « 3 » . ويبين ابن رشد « أن البرهان الذي استعمله ابن سينا في واجب الوجود كان من طبيعة الأقاويل العامة الجدلية » « 4 » . ويتهم ابن سينا بإضافة أقوال إلى ما كان القدماء قد صرحوا به . فزعم ابن سينا أن الواجب الوجود من غيره ،
--> ( 1 ) المصدر نفسه ، النص ، ص 244 - 245 . ( 2 ) المصدر نفسه ، النص ، ص 122 . ( 3 ) المصدر نفسه ، النص ، ص 122 . ( 4 ) المصدر نفسه ، النص ، ص 224 .