ابن رشد

189

تهافت التهافت

الصفات أعراضا تابعة لذاتنا ؟ هذا كله من قول من لم يرتض بالصفات النفسانية والعرضية . قال أبو حامد : وربما هوّلوا بتقبيح العبارة بوجه آخر فقالوا هذا يؤدي إلى أن يكون الأول محتاجا إلى هذه الصفات فلا يكون غنيا مطلقا إذ العنى المطلق لا يحتاج إلى غيره . ثم قال رادا عليهم : وهذا كلام وعظي في غاية الركاكة ، فإن صفات الكمال لا تباين ذات الكامل حتى يقال أنه يحتاج إلى غيره فإذا لم يزل ولا يزال كاملا بالعلم والقدرة والحياة ، فكيف يكون محتاجا ؟ أو كيف يجوز أن يعبر عن ملازمة الكمال بالحاجة ؟ وهو كقول القائل : الكامل من لا يحتاج إلى كمال فالمحتاج إلى وجود صفات الكمال لذاته ناقص فيقال لا معنى لكونه كاملا إلا وجود الكمال لذاته وكذلك لا معنى لكونه غنيا إلا وجود الصفات المنافية للحاجات لذاته ، فكيف تنكر صفات الكمال التي بها تتم الإلهية بمثل هذه التخييلات اللفظية ؟ . قلت : والكمال على ضربين : كامل بذاته ، وكامل بصفات أفادته الكمال ، وتلك الصفات يلزم ضرورة أن تكون كاملة بذاتها لأنها إن كانت كاملة بصفات كمالية يسأل أيضا في تلك الصفات هل هي كاملة بذاتها أو بصفات فينتهي الأمر إلى كامل بذاته ، والكامل بغيره يحتاج ضرورة على الأصول المتقدمة إذا سلمت إلى مفيد له صفات الكمال وإلا كان ناقصا ، وأما الكامل بذاته فهو كالموجود بذاته ، فما أحق أن يكون الموجود بذاته كاملا بذاته ، فإن كان هاهنا موجود بذاته فيجب أن يكون كاملا بذاته ، وغنيا بذاته ، وإلا كان مركبا من ذات ناقصة وصفات ومكملة لتلك الذات ، فإذا كان ذلك كذلك فالصفة والموصوف فيه واحد وما نسب إليه من الأفعال التي توجب أنها صدرت عن صفات متميزة فيه فهي على طريق الإضافة . قال أبو حامد مجيبا للفلاسفة : وما أشنع أن نكون نحن والباري تعالى في هذا المعنى بحال سوي ؛ أعني أن كون الكمال لذاتنا بصفات كمالية . فإن قيل إذا أثبتم ذاتا وصفة وحلولا للصفة بالذات فهو تركيب وكل تركيب يحتاج إلى مركب ولذلك لم يجز أن يكون الأول جسما لأنه مركب . قلنا : قول القائل كل مركّب يحتاج إلى مركب كقوله كل موجود يحتاج إلى موجد ، فيقال له : الأول قديم موجود لا علة له ولا موجد فكذلك يقال هو موصوف قديم ولا علة لذاته ولا لصفته ولا لقيام صفته بذاته بل الكل قديم بلا علة . وأما الجسم فإنما لم يجز أن يكون هو الأول لأنه حادث من حيث أنه لا يخلو عن الحوادث ، ومن لم يثبت له حدوث