ابن رشد

190

تهافت التهافت

الجسم يلزمه أن يجوز أن تكون العلة الأولى جسما كما سنلزمه عليكم من بعد . قلت : والتركيب ليس هو مثل الوجود لأن التركيب هو مثل التحريك ؛ أعني صفة انفعالية زائدة على ذات الأشياء التي قبلت التركيب ، والوجود هو صفة هي الذات بعينها . ومن قال غير هذا فقد أخطأ ، وأيضا المركب ليس ينقسم إلى مركب من ذاته ومركب من غيره فيلزم أن ينتهي الأمر إلى مركب قديم ، كما ينتهي الأمر في الموجودات إلى موجود قديم ، وقد تكلمنا في هذه المسألة في غير ما موضع ، وأيضا إذا كان الأمر كما قلنا : من أن التركيب أمر زائد على الوجود ، فلقائل أن يقول إن كان يوجد مركب من ذاته فسيوجد متحرك من ذاته ، وإن وجد متحرك من ذاته فسيوجد المعدوم من ذاته ، لأن وجود المعدوم هو خروج ما بالقوة إلى الفعل ، وكذلك الأمر في الحركة والمتحرك ، وليس كذلك الوجود ، لأنه ليس صفة زائدة على الذات ، فكل موجود لم يكن وقتا موجودا بالقوة ووقتا موجودا بالفعل فهو موجود بذاته ، والمتحرك وجوده إنما هو مع القوة المحركة فلذلك احتاج كل متحرك إلى محرك . والفصل في هذه المسألة أن المركب لا يخلو أن يكون كل واحد من جزأيه أو أجزائه التي تركب منها شرطا في وجود صاحبه بجهتين مختلفتين كالحال في المركبات من مواد وصور عند المشائين ، أو لا يكون واحد منهما شرطا في وجود صاحبه أو يكون أحدهما شرطا في وجود الثاني ، والثاني ليس شرطا في وجود الأول . فأما القسم الأول فليس يمكن أن يكون قديما ، وذلك أن التركيب نفسه هو شرط في وجود الأجزاء ، فليس يمكن أن تكون الأجزاء هي علة التركيب ، ولا التركيب علة نفسه ، إلا لو كان الشيء علة نفسه ، ولذلك أمثال هذه المركبات هي كائنة فاسدة ولا بد لها من فاعل يخرجها من العدم إلى الوجود . وأما القسم الثاني ؛ أعني إن لم يكن ولا واحد من الجزءين شرطا في وجود صاحبه فإن أمثال هذه إذ لم يكن في طباع أحدهما أن يلزم الآخر فإنها ليست تتركب إلا بمركب خارج عنها إذ كان التركيب ليس من طباعها الذي به تتقوم ذاتها أو يتبع ذاتها ، وأما إن كانت طباعها تقتضي التركيب وهما في أنفسهما قديمان فواجب أن يكون المركب منهما قديما ، لكن لا بد له من علة تفيده الوحدانية لأنه لا يمكن أن يوجد شيء قديم الوحدانية له بالعرض . وأما إن كان أحدهما شرطا في وجود الآخر ، والآخر ليس شرطا فيه ، كالحال في الصفة والموصوف الغير جوهرية ، فإن كان الموصوف قديما ومن شأنه ألا تفارقه الصفة