ابن رشد
188
تهافت التهافت
ثم قال أبو حامد : رادا على هذا القول : وهذا هو الأول مع تغيير عبارة . فنقول : إن عنيتم بكونه تابعا للذات وكون الذات سببا له أن الذات علة فاعلية وأنها مفعولة للذات فليس كذلك فإن ذلك ليس يلزم في علمنا بالإضافة إلى ذاتنا ، إذ ذواتنا ليست بعلة فاعلة لعلمنا . وإن عنيتم أن الذات محل وأن الصفة لا تقوم بنفسها في غير محل فهذا مسلم فلم يمتنع هذا فإن عبر عنه بالتابع أو العارض أو المعلول أو ما أراده المعبر لم يتغير المعنى إذا لم يكن المعنى سوى أنه قائم بالذات قيام الصفات بالموصوفات ، ولم يستحل أن يكون قائما في ذات وهو مع ذلك قديم فلا فاعل له . وكل أدلتهم تهويل بتقبيح العبارة بتسميته ممكنا وجائزا وتابعا ولازما ومعلولا ، وإن ذلك مستنكر . فيقال إن أريد بذلك أن له فاعلا فليس كذلك وإن لم يرد به إلا أنه لا فاعل له ولكن له محل قائم فيه ، فليعبر عن هذا المعنى بأي عبارة أريد فلا استحالة فيه . قلت : هذا تكثير من القول في معنى واحد . والفصل في هذه القضية بين الخصوم هو في نكتة واحدة ، وهي : هل يجوز فيما له علة قابلية أن لا يكون له فاعل أو لا يجوز ذلك ؟ ومن أصول المتكلمين : إن اقتران الشرط بالمشروط هو من باب الجائز وإن كل جائز يحتاج في وقوعه وخروجه إلى الفعل إلى مخرج وإلى مقارنة الشرط للمشروط ، ولأن المقارنة هي شرط في وجود المشروط وليس يمكن أن يكون الشيء علة في شرط وجوده ولا يمكن أيضا أن يكون الشرط هو العلة الفاعلة لوجود المشروط فإن ذاتنا ليست علة فاعلة لوجود العلم بها ، ولكنها شرط في وجود العلم قائما بها ، ولذلك لم يكن بد على هذه الأصول من علة فاعلية أوجبت اقتران الشرط المشروط ، وهكذا الحال في كل مركب من شرط ومشروط . ولكن هذا كله ينكسر على الفلاسفة بوضعهم السماء قديمة وهي ذات وصفات ولا يضعون لها فاعلا على النحو الذي هو الفاعل في الشاهد على ما يلزم من ذلك إلا أن يضعوا أن هاهنا برهانا يؤدي إلى ربط قديم عن رابط قديم ، وهو نوع آخر من الرباط غير الذي في الكائنة الفاسدة ، فإن هذه كلها مواضع فحص شديد . وأما وضعهم أن هذه الصفات ليست متقومة بها الذات فليس بصحيح ، فإن كل ذات استكملت بصفات صارت بها أكمل وأشرف فذاتها متقومة بتلك الصفات ، فإن بالعلم والقدرة والإرادة صرنا أشرف من الموجودات التي ليست بعالمة والذات منا التي قامت بها هذه الصفات هي مشتركة لنا وللجمادات ، فكيف يكون أمثال هذه