ابن رشد
185
تهافت التهافت
ثم أخذ يبين أن المحال الذي راموا أن يلزموه عن إنزال هذا القسم ليس بلازم فقال : فيقال : لهم : إن أردتم بواجب الوجود أنه ليس له علة فاعلية فلم قلتم ذلك ؟ لم استحال أن يقال كما أن ذات واجب الوجود قديم لا فاعل له فكذلك صفته قديمة ولا فاعل لها ؟ . قلت : هذا كله معاندة لمن سلك في نفي الصفات طريقة ابن سينا في إثبات واجب الوجود بذاته ، وأما الطريقة الأقنع في هذه في وجود الاتحاد ولزوم ذلك للأشعرية فهي طريقة المعتزلة ، وذلك أنهم يفهمون من الممكن الوجود الممكن الحقيقي ، ويرون أن كل ما دون المبدأ الأول هو بهذه الصفة ، وخصومهم من الأشعرية يسلمون هذا ويرون أيضا أن كل ممكن فله فاعل ، وأن التسلسل ينقطع بالإفضاء إلى ما ليس ممكنا في نفسه ، وخصومهم يسلمون لهم ذلك . فإذا سلم لهم هذه ظن بها أن يلزم عنها أن يكون الأول الذي انقطع عنده الإمكان ليس ممكنا فوجب أن يكون بسيطا غير مركب ، لكن للأشعرية أن تقول أن الذي ينتفي عنه الإمكان الحقيقي ليس يلزم أن يكون بسيطا ، وإنما يلزم أن يكون قديما فقط لا علة فاعلية له ، فلذلك ليس عند هؤلاء برهان على أن الأول بسيط من طريقة واجب الوجود . ثم قال : فإن قيل واجب الوجود المطلق هو الذي ليس له علة فاعلية ولا قابلية ، فإذا سلم أن له علة قابلية فهو ليس بواجب الوجود على هذا التأويل . يريد فإن قالت الفلاسفة : إن البرهان قد أدى إلى أن واجب الوجود ليس له علة فاعلة فليس له قابلة ، وإذا وضعتم ذاتا وصفات فقد وضعتم علة قابلة . ثم قال مجيبا عن هذا : قلنا : وإذا سلم أن له علة قابلية فقد سلم كونه معلولا . قلنا : تسمية الذات القابلية علة من اصطلاحكم ، والدليل لم يدل على ثبوت واجب الوجود بحكم اصطلاحكم ، وإنما دل على إثبات طرف ينقطع به تسلسل العلل والمعلولات . يريد أن الأشعرية ليس تسلم أن تلك الذات الحاملة للصفات علة قابلة فيلزمهم أن يكون لها علة فاعلة ، ولم يدل واجب الوجود بحسب ما أدى