ابن رشد
186
تهافت التهافت
إليه برهانكم على موجود ليس له علة قابلية ، فضلا على أن يدل على ما ليس له ذات وصفات ، وإنما دل على أنه ليس له سبب فاعل . قلت : وهذا العناد لازم بحسب دليلهم ، ولو سلمت الأشعرية للفلاسفة أن ما ليس له علة فاعلية ليس له علة قابلية لما انكسر لما بذلك قولهم ، لأن الذات التي وضعوا إنما هي قابلة للصفات لا للأول ، إذ يضعون أن الصفات زائدة على الذات وليس يضعونها صفات ذاتية كما يضع ذلك النصارى . ثم قال : فإن قيل : كما يجب قطع التسلسل في العلة الفاعلية يجب قطعه في القابلية ، إذ لو افتقر كل موجود إلى محل يقوم فيه وافتقر المحل أيضا إلى محل للزم التسلسل وأفضى الأمر إلى موجود لا محل له كالحال في العلة الفاعلية . ثم قال مجاوبا لهم : صدقتم فلا جرم قطعنا هذا التسلسل وقلنا أن الصفة في ذاته وليست ذاته قائمة بغيره كما أن علمنا في ذاتنا وذاتنا يحل له وليس ذاتنا في محل . قلت : هذا قول لا ارتباط له بهذه المسألة لا على ما حكاه عن الفلاسفة ولا على ما قاله مجاويا لهم فكأنه قول سفسطاني ، وذلك أن القول في وجوب تناهي العلل القابلية ولا تناهيها لا نسبة بينه وبين المسألة المتكلم فيها ، وهي : هل من شرط الفاعل الأول أن يكون له علة قابلية ؟ وذلك أن الفحص عن تناهي العلل القابلية غير الفحص عن تناهي العلل الفاعلية . فإن من سلم وجود العلل القابلية فيسلم ضرورة قطع تسلسلها بعلة قابلية أولى خارجة عن الفاعل الأول ضرورة كما يسلم وجود فاعل أول خارج عن المواد القابلية ، فالفاعل الأول إن كانت له مادة فليست تلك المادة معدودة لا في القابلية الأولى ولا فيما دونها من القوابل لسائر الموجودات ، بل يلزم تلك المادة التي للفاعل الأول إن كانت له مادة أن تكون مادة خاصة به ، وبالجملة فتكون له ، وذلك إما بأن تكون هي الأولى له أو بأن ينتهي إلى قابلية أولى ، وبالجملة فتكون هذه القابلية ليست من جنس القابلية المشروطة في وجود سائر الموجودات الصادرة عن الفاعل الأول ، لكن إن كانت المادة شرطا في وجود الفاعل الأول فسيلزم ضرورة أن تكون شرطا في وجود كل الفاعلات للمفعولات ، فتكون المادة ليست شرطا في وجود فعل الفاعل فقط إذ كان كل فاعل إنما يفعل في قابل ، بل وأن تكون شرطا في وجود الفاعل ، فيكون كل فاعل جسما وهذا كله لا تسلمه الأشعرية ولا تبطله