ابن رشد

184

تهافت التهافت

علتها الفاعلية مع الذات إذ لا فاعل لها كما لا فاعل للذات بل لم تزل الذات بهذه الصفة موجودة فلا علة له ولا لصفته ، وأما العلة القابلية فلم ينقطع تسلسلها إلا على الذات ، ومن أين يلزم أن ينتفي المحل حين تنتفي العلة والبرهان ليس يضطر إلا إلى قطع التسلسل ، فكل طريق أمكن قطع التسلسل به فهو وفاء بقضية البرهان الداعي إلى واجب الوجود . وإن أريد بواجب الوجود شيء سوى موجود ليس له علة فاعلية حتى ينقطع به التسلسل ، فلا نسلم أن ذلك واجب أصلا ، ومهما اتسع العقل لقبول موجود قديم لا علة لوجوده اتسع لقبول قديم موصوف لا علة لوجوده في ذاته وصفاته جميعا . قلت : قوله : ولكن إبطالكم القسم الأول : وهو التثنية المطلقة قد بينا أنه لا برهان لكم عليها في المسألة التي قبل هذه ، وأنها لا تتم إلا بالبناء على نفي الكثرة . يريد إبطالهم أن يكون الموصوف والصفة كل واحد منهما قائما بذاته ، وذلك أنه يلزم عنه أن يستغني كل واحد منهما عن صاحبه فيكون إلها مستقلا بنفسه ، ويكون هنالك اثنينية ، إذ لا يكون هنالك معنى به صارت الصفة والموصوف واحدا ، ولما كانوا قد استعملوا في إبطال هذا النوع من الكثرة لزوم وجود اثنينية في الإله عنها ، وكان الأمر في البرهان يجب أن يكون بالعكس ، أي تبطل التثنية من جهة إبطال الكثرة قال فيه : إنهم عكسوا فبينوا الأصل بالفرع . والذي فعلوه هو معاندة لا بحسب الأمر في نفسه ، بل بحسب قول الخصم ، وذلك أن خصومهم ينكرون الاثنينية وأنت فقد علمت في غير هذا الموضع أن المعاندة صنفان : صنف بحسب الأمر في نفسه ، وصنف بحسب قول المعاند ، وأن الحقيقة هي التي بحسب الأمر في نفسه ، وأن المعاندة الثانية وإن لم تكن حقيقية ، فإنها قد تستعمل أيضا . ثم قال : ولكن المختار أن يقال الذات في قوامها غير محتاجة إلى الصفات ، والصفات محتاجة إلى الموصوف كما في حقنا . فيبقى قولهم أن المحتاج إلى غيره لا يكون واجب الوجود . يريد أنه إذا وضع لهم هذا القسم من الأقسام التي استعملوا في إبطال الكثرة آل الأمر معهم إلى أن يثبتوا أن واجب الوجود ليس يمكن أن يكون مركبا من صفة وموصوف ، ولا أن تكون ذاته ذات صفات كثيرة وهذا شيء ليس يقدرون عليه بحسب أصولهم .