ابن رشد

180

تهافت التهافت

المسألة السادسة في نفي الصفات قال أبو حامد : اتفقت الفلاسفة على استحالة إثبات العلم والقدرة والإرادة للمبدإ الأول كما اتفقت عليه المعتزلة وزعموا أن هذه الأسامي وردت شرعا ويجوز إطلاقها لغة ولكن ترجع إلى ذات واحدة كما سبق ، ولا يجوز إثبات صفة زائدة على ذاته كما يجوز في حقنا أن يكون علمنا وقدرتنا وإرادتنا وصفا لنا زائدا على ذاتنا . وزعموا أن ذلك يوجب كثرة ، لأن هذه الصفات لو طرت علينا لكنا نعلم أنها زائدة على الذات إذا تجردت ، ولو قدرت مقارنة لوجودنا من غير تأخر لما خرجت عن كونها زائدة على الذات بالمقارنة فكل شيئين إذا طري أحدهما على الآخر وعلم أن هذا ليس ذاك وذاك ليس هذا فلو اقترنا أيضا عقل كونهما شيئين ، فإذا لا تخرج هذه الصفات بأن تكون مقارنة لذات الأول عن أن تكون أشياء سوى الذات ، فيوجب ذلك كثرة في واجب الوجود وهذا محال ، فلهذا أجمعوا على نفي الصفات . قلت : الذي يعسر على من قال بنفي تعدد الصفات هو أن تكون الصفات المختلفة ترجع إلى ذات واحدة حتى يكون مفهوم العلم مثلا والإرادة والقدرة مفهوما واحدا ، وأنها ذات واحدة وأن يكون أيضا العلم والعالم والقدرة والقادر والإرادة والمريد معنى واحدا . والذي يعسر على من قال أن هاهنا ذاتا وصفات زائدة على الذات أن تكون الذات شرطا في وجود الصفات ، والصفات شرطا في كمال الذات ، ويكون المجموع من ذلك شيئا واجب الوجود ، أي موجودا واحدا ليس فيه علة ولا معلول . لكن هذا لا جواب عنه في الحقيقة إذا وضع أن هاهنا شيئا واجب الوجود بذاته ، فإنه يجب أن يكون واحدا من جميع الوجوه ، وغير مركب أصلا من شرط ومشروط وعلة ومعلول ، لأن كل موجود بهذه الصفة فإما أن يكون تركيبه واجبا ، وإما أن يكون ممكنا ، فإن كان واجبا كان واجبا بغيره لا بذاته ، لأنه يعسر إنزال مركب قديم من ذاته ؛ أعني من غير أن