ابن رشد
179
تهافت التهافت
النقصان والزوال والكمال الحاصل له فوق كل كمال ، فأحبابه وعشقه لذلك الكمال فوق كل أحباب والتذاذه به فوق كل التذاذ بل لا نسبة للذاتنا إليها البتة ، بل هي أجل من أن يعبر عنها باللذة والسرور والطيبة . إلا أن تلك المعاني ليس لها عبارات عندنا فلا بد من الأبعاد في الاستعارة كما نستعير له لفظ المريد والمختار والفاعل منا مع القطع يبعد إرادته عن إرادتنا وبعد قدرته وعلمه عن قدرتنا وعلمنا ، ولا بعد في أن يستبشع عبارة اللذة فيستعمل غيره . والمقصود أن حالته أشرف من أحوال الملائمة وأخرى بأن يكون مغبوطا ، وحالة الملائكة أشرف من أحوالنا ولو لم تكن لذة إلا في شهوة البطن والفرج لكان حال الحمار والخنزير أشرف من حال الملائكة وليس لها لذة أي للمبادئ من الملائكة المجردة عن المادة إلا في السرور بالشعور بما خص بها من الكمال والجمال الذي لا يخشى زواله ، ولكن الذي للأول فوق الذي للملائكة فإن وجود الملائكة التي هي العقول المجردة وجود ممكن في ذاته واجب الوجود بغيره وإمكان العدم نوع شر ونقص فليس شيء بريئا عن كل شرّ مطلقا سوى الأول فهو الخير المحض وله البهاء والجمال الأكمل ، ثم هو معشوق عشقه غيره أو لم يعشقه كما أنه عاقل ومعقول عقله غيره أو لم يعقله وكل هذه المعاني راجعة إلى ذاته وإلى إدراكه لذاته وعقله له ، وعقله لذاته هو عين ذاته ، فإنه عقل مجرد فيرجع الكل إلى معنى واحد . فهذا طريق تفهيم مذهبهم وهذه الأمور منقسمة إلى ما يجوز اعتقاده فنبين أنه لا يصح على أصولهم وإلى ما لا يصح اعتقاده فنبين فساده . ولنعد إلى المراتب الخمسة في أقسام الكثرة ودعواهم نفيها ، ولنبين عجزهم عن إقامة الدليل ولنرسم كل واحد مسألة على حيالها . قلت : قد أجاد في أكثر ما ذكره من وصف مذاهب الفلاسفة في كون الباري سبحانه واحدا مع وصفه بأوصاف كثيرة ، فلا كلام معه في هذا إلا ما ذكره من تسميته عقلا أنه يدل على معنى سلبي ، وليس كذلك ، بل هو الاسم الأخص بذاته عند الفلاسفة المشائين بخلاف ما يراه أفلاطون من أن العقل غير المبدأ الأول ، وأنه لا يوصف بأنه عقل ، وكذلك قوله في العقول المفارقة : أن فيها إمكانا وعدما وشرا ليس هو من قولهم . فلنرجع إلى ما ذكره في الرد عليهم في المسائل الخمس .