ابن رشد

174

تهافت التهافت

بها ، ولذلك سميت أعراضا وتميزت عن الموصوف في النفس وخارج النفس . فإن قيل : إن الفلاسفة يعتقدون أن النفس فيها أمثال هذه الصفات وذلك أنهم يعتقدون أنها دراكة مريدة محركة وهم يعتقدون مع هذا أنها ليست بجسم . فالجواب : إنهم ليس يريدون أن هذه الصفات هي للنفس زائدة على الذات ، بل يرون إنها صفات ذاتية ومن شأن الصفات الذاتية ألا يتكثر بها الموضوع الحامل لها بالفعل ، بل إنما يتكثر بالجهة التي يتكثر المحدود بأجزاء الحدود ، وذلك أنها هي كثرة ذهنية عندهم لا كثرة بالفعل خارج النفس . ومثال ذلك أن حد الإنسان حيوان ناطق ، وليس النطق والحياة كل واحد منهما متميزا عن صاحبه فيه خارج النفس بالفعل ، واللون والشكل فيه خارج النفس ، ولذلك يلزم من يسلم أن النفس ليس من شروط وجودها المادة أن يسلم أنه يوجد في الموجودات المفارقة ما هو واحد بالفعل خارج النفس كثير بالحد . وهذا هو مذهب النصارى في الأقاليم الثلاث وذلك أنهم ليس يرون أنها صفات زائدة على الذات ، وإنما هي عندهم متكثرة بالحد وهي كثيرة بالقوة لا بالنسل ، ولذلك يقولون : إنه ثلاثة واحد أي واحد بالفعل ثلاثة بالقوة . وسنعدد الشناعات والمحالات التي تلحق من يضع أن المبدأ الأول ذو صفات زائدة على ذاته . وأما الكثرة الرابعة : وهي الكثرة التي تكون للشيء من قبل جنسه وفصله فهي قريبة من الكثرة التي تكون للشيء من أجل مادته وصورته ، وذلك أن الحدود إنما توجد للمركبات من المادة والصورة لا للبسائط ، فلا ينبغي أن يختلف في انتفاء الكثرة الحدية عن المبدأ الأول سبحانه . وأما الكثرة الخامسة : وهي تعدد الماهية والآنية فإن الآنية في الحقيقة في الموجودات هي معنى ذهني وهو كون الشيء خارج النفس على ما هو عليه في النفس ، وما يدل عليه فهو مرادف للصادق وهي التي تدل عليه الرابطة الوجودية في القضايا الحملية ، فإن لفظ الوجود يقال على معنيين : أحدهما ما يدل عليه الصادق ، مثل قولنا : هل الشيء موجود أم ليس بموجود ، وهل كذا يوجد كذا أو لا يوجد كذا ، والثاني ما يتنزل من الموجودات منزلة الجنس ، مثل قسمة الموجود إلى المقولات العشر وإلى الجوهر والعرض ، وإذا فهم من الموجود ما يفهم من الصادق لم يكن خارج النفس كثرة ، وإذا فهم منه ما يفهم من الصادق