ابن رشد
175
تهافت التهافت
لم يكن خارج النفس كثرة ، وإذا فهم منه ما يفهم من الذات والشيء كان اسم الموجود مقولا على واجب الوجود وعلى ما سواه بتقديم وتأخير ، مثل اسم الحرارة المقول على النار وعلى الأشياء الحارة هذا هو مذهب الفلاسفة . وأما هذا الرجل فإنما بنى القول فيها على مذهب ابن سينا وهو مذهب خطأ ، وذلك أنه يعتقد أن الآنية وهو كون الشيء موجودا شيء زائد على الماهية خارج النفس ، وكأنه عرض فيها ، وإذا وضع أنها شرط في وجود الماهية ، فلو كان واجب الوجود له آنية هي شرط في ماهيته لكان واجب الوجود مركبا من شرط ومشروط ، فكان يكون ممكن الوجود ، وأيضا فإن عند ابن سينا أن ما وجوده زائد على ذاته فله علة وأما الوجود عند ابن سينا فهو عرض لا حق للماهية ، وعليه يدل قول أبي حامد هاهنا . وذلك أن قوله : فإن للإنسان ماهية قبل الوجود والوجود يرد عليها ويضاف إليها ، وكذلك المثلث له ماهية وهو أنه شكل يحيط به ثلاثة أضلاع وليس الوجود جزءا من ذات هذه الماهية مقوما لها ، ولذلك يجوز أن يدرك العاقل ماهية الإنسان وماهية المثلث وليس يدري أن لهما وجودا في الأعيان أم لا . فدل على أن الوجود الذي استعمل هاهنا ليس هو الوجود الذي يدل على ذوات الأشياء ؛ أعني الذي هو كالجنس لها ، ولا على الذي يدل على أن الشيء خارج النفس . وذلك أن اسم الموجود يقال على معنيين : أحدهما على الصادق ، والآخر على الذي يقابله العدم ، وهذا هو الذي ينقسم إلى الأجناس العشرة ، وهو كالجنس لها ، وهذا هو متقدم على الموجودات بالوجه الثاني ؛ أعني الأمور التي هي خارج الذهن ، وهذا هو الذي يقال بتقديم وتأخير على المقولات العشر ، وبهذا المعنى نقول في الجوهر أنه موجود بذاته ، وفي العرض أنه موجود بوجوده في الموجود بذاته ، وأما الموجود الذي بمعنى الصادق فيشترك فيه جميع المقولات على السواء ، والموجود الذي بمعنى الصادق هو معنى في الأذهان ، وهو كون الشيء خارج النفس على ما هو عليه في النفس ، وهذا العلم يتقدم العلم بماهية الشيء ؛ أعني أنه ليس يطلب معرفة ماهية الشيء حتى يعلم أنه موجود ، وأما الماهية التي تتقدم علم الموجود في أذهاننا فليست في الحقيقة ماهية وإنما هي شرح معنى اسم من الأسماء ، فإذا علم أن ذلك المعنى موجود خارج النفس علم أنها ماهية وحد ، وبهذا المعنى